البث المباشر الراديو 9090
مي عجلان
أن تكون أبًا لابنةٍ يعني أن تحمل في قلبك العالم كله، وأن تدرك أن الحماية لا تعني الحَجْر، بل أن تكون الجسر الذي تعبر عليه بثقةٍ نحو أحلامها ولا تكن سورًا يعزلها عن الحياة، بل الأفق الذي يمنحها اتساعها. أن تكون أبًا محبًا داعمًا، ترى في ابنتك كيانًا كاملًا يستحق الحياة والاختيار والتعبير، فذلك هو أسمى أشكال الحب، وأنقاه.

نشأتُ على يديه، بين ملامحِ أبٍ تربّى في مجتمعٍ محافظ، لكن طموحه لي كان أوسعَ من حدود المكان. لم يرَ في الفتاة قيدًا، بل مشروعًا للحياة نفسها. أطلق لي العنان لأحلم، لأخطئ وأتعلّم، لأجرّب وأعود أقوى. سمح لي بأن أكون نفسي دون خوف، وأن أكتشف العالم بعينيَّ لا بعيون الآخرين.

سافرتُ، درستُ، تعلّمتُ، ورأيتُ الدنيا كما حلم لي أن أراها. منذ صغري، لم يتعامل معي كطفلةٍ تُوجَّه، بل كسيدةٍ تُحترم آراؤها وتُقدّر اختياراتها. في كل موقفٍ من مواقف حياتي، كان هو البوصلة التي تعيدني إلى الطريق. كل إنجازٍ حققته، وكل خطوةٍ واثقةٍ خطوتها في طريقٍ مزدحمٍ بالتحديات، كانت ثمرةَ غرسه وتعليمه.

ففي زمنٍ كان فيه الحلمُ ترفًا للفتيات، كان أبي يرى أن الحلمَ حقي. وفي بيئةٍ كانت تخشى انفتاح الأفق، فتح لي أبواب العالم. وفي مجتمعٍ يرى أن الفتاة يجب أن تُحفظ لا أن تُطلَق، أطلقني نحو الحياة بثقة، ووقف يراقبني لا خوفًا، بل فخرًا. يكلّمني بعقل، ويستمع إليّ برغبةٍ حقيقيةٍ في الفهم، لا لمجرّد الأبوة. علّمني أن الرقيَّ ليس في المظهر، بل في الموقف، وأن الكرامة لا تُجزّأ.

كان أول من قدّم لي شريطًا غنائيًا كهدية، وكأنه كان يريد أن أعرف أن في الفن روحًا تشبهني. وكان أول من أهداني كتابًا، حتى اسمي اختاره لي تيمنًا بالأديبة مي زيادة، وكأنه كان يراني كاتبةً منذ اللحظة الأولى. فعلّمني أن تمكيني حقٌّ لا منحة، ولا منّة من أحد، وأن المعرفة طريقٌ للحرية، وأن من يملك الوعي لا يُستعبَد أبدًا.

نحن لا نختار آباءنا، لكن بعض الهبات الإلهية تُمنَح لنا بقدرٍ من الرحمة لا يُقدَّر بثمن، وأنا كنتُ من المحظوظات. لو أن لي أمنيةً واحدة في هذه الحياة، لكانت أن يرزق الله كل فتاةٍ أبًا مثل أبي، وأن يرزق أبنائي يومًا أبًا مثله أبًا يعلّمهم أن الحبَّ دعم، وأن الحرية مسؤولية، وأن الكلمة الطيبة يمكن أن تغيّر مصيرًا.

اليوم، في يوم ميلاده، أقف أمام الله شاكرةً، ممتنّةً، فخورةً بأن رزقني هذا الأب الذي لم يكن فقط مصدر أمان، بل مصدر حياة. كل عامٍ وأنتَ النعمةَ التي لا تزول، والقدوةَ التي أفتخر بها، والظلَّ الذي أستظلّ به ما حييت.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز