ريهام المهدي
لم يكتفِ البرنامج بعرض قراءات قرآنية، بل جاء كمنصّة إعلامية جديدة تحمل رؤية ورسالة، وتعيد تشكيل علاقة الناس بالصوت القرآني المصري العريق مرة أخرى.
والحقيقة أنه ليس جديدًا على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية أن تلعب دورًا محوريًا في إعادة تشكيل صياغة الإعلام وتقديم برامج إعلامية مبتكرة، إلا أن تقديم برنامج "دولة التلاوة" لم يقف عند مجرد تقديم وإنتاج برنامج تلفزيوني، بل كان فكرة إبداعية خالصة الحقوق الملكية والفكرية للشركة المتحدة، قدمته باعتباره مشروعًا ثقافيًا يهدف إلى إعادة الاعتبار المصري بصنع منبر تتجدد به التلاوة القرآنية، من خلال إحياء مكانة القارئ والمنشد الديني في مصر وخارجها.
منذ اللحظة الأولى، تعاملت الشركة المتحدة مع البرنامج كمنصّة لصياغة وعي جديد تجاه التراث الصوتي والروحي، فكان اختيار رموز المنصّة وأعضاء التحكيم بعناية فائقة، ومع ذكاء خاص في ترشيح الإعلامية آية عبد الرحمن، صاحبة الصوت الرصين والحضور الرزين، والقدرة على خلق حالة إنسانية ممزوجة بمشاعر وجدانية راقية تشبه ما تقدمه من جلال للنص القرآني.
وهنا تجلّى إبداع المتحدة في ثلاثة مسارات أساسية في كل حلقة شاهدناها في البرنامج:
أولاً: عبقرية هندسة الفكرة وتوجيه رسالتها كـ«رسالة مشروع دولة» تسعى لصناعة جيل جديد من القرّاء الأطفال والشباب من مختلف الجنسيات، بالتزامن مع الحفاظ على عراقة وأصالة تاريخ المدرسة المصرية كأول مدرسة تتلو القرآن الكريم.
ثانيًا: الإصرار على تقديم محتوى راقٍ يليق باسم الشركة المتحدة في الوسط الإعلامي الداخلي والإقليمي. فجاء إيقاع البرنامج عالي الجودة من حيث المهنية والاحترافية الفنية البصرية والسمعية، مع تميز في الإضاءة غير المعتادة والديكور المختلف، ومع تداخل اللمحات الإنسانية والعفوية التي شاهدناها لدى المتسابقين، تحلّى البرنامج بثوب روحي لافت أصاب قلوب المشاهدين، متجاوزًا فكرة المنافسة مع أحد، ومحتلًا صدارة التميز والحصرية.
ثالثًا: اختيار رموز وكوادر ضيوف المنصّة أو خبرائها، والذي كان واضحًا أنه اختيار محكم شديد العناية، مبني على معايير خاصة ترتبط بتاريخهم المشهود لهم.
وعند هذه النقطة أتوقف عند اختيار الإعلامية آية عبد الرحمن، التي ظهرت بكاريزما وصوت هادئ وحضور راقٍ رزين، فبدت ككفٍ حانية تربط بين المتلقي والمقرئ المتسابق. ومن خلال تقديم إبداعي متواضع وهادئ للمتسابقين، خصوصًا الأطفال منهم، نجحت في إضافة احترام حقيقي للعرض دون افتعال أو مبالغة.
وبذلك، تستمر الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية في إثبات أنها ليست مجرد جهة إنتاج فحسب، بل - كما عهدناها دائمًا ـ شريك استراتيجي قادر على إعادة تشكيل الوعي الإعلامي الجمالي والديني معًا لدى الجمهور. وهي أيضًا القادرة، وقتما تشاء، على صناعة نموذج لافت لبرامج إبداعية تخاطب العقل والروح معًا.
ومن خلال برنامج "دولة التلاوة" نجحت المتحدة في إعادة مكانة مصر الدينية والخاصة، مثبتة أن الإعلام حين يكون محكم الرؤية وواعيًا برسالته، فهو بلا شك قادر على صنع أثر يتجاوز لحظة المشاهدة العابرة ليصل إلى وجدان جميع المشاهدين في مصر وخارجها.