د. إيناس علي
حماية أبنائنا تبدأ قبل أي شيء من البيت، ومن قدرتنا كأهل وأسرة على خلق مساحة تحترم مشاعر الطفل وتعتبرها مهمة مثل احتياجاته الجسدية تمامًا.
ولعل أهم خطوة في الوقاية هي فهم الطفل أن جسده له وحده، وأن من حقه أن يقول "لا" لأي لمس غير مرغوب فيه مهما كانت مكانة الشخص. هذه الفكرة يجب توصيلها ببساطة وبدون تهويل.
يجب أن يدرك الطفل أن هناك مناطق في جسمه لا يجب لأحد أن يلمسها غيره، أو الطبيب مع وجود ماما أو بابا، ولو حاول أحد أن يلمسه بطريقة غير مريحة… فعليه أن يقول "لا" ويأتي ليحكي لي فورًا.
ومن المؤسف أن بعض الأهل يظنون أن تخويف الطفل سيجعله أكثر انتباهًا، لكن الحقيقة أن الخوف يربك الطفل ويجعله أقل قدرة على التصرف أو الإخبار.
المطلوب هو بناء ثقة، لا خلق حالة ذعر، فالطفل الواثق من نفسه أكثر قدرة على الرفض، وأكثر شجاعة في الإبلاغ.
الأطفال يحكون حين يشعرون بأن كلامهم سيتم تقبّله بدون لوم. فلنسألهم كل يوم: "كان يومك عامل إزاي؟ حد ضايقك؟ حسّيت بأي حاجة مش مريحة؟". هذه الأسئلة البسيطة تنشئ عادة مهمة: أن الطفل يحكي بدل أن يكتم.
المهم أن نتجنب اللوم أو الصراخ إذا ذكر الطفل موقفًا غريبًا، فردود الفعل الحادة تجعل الطفل يخاف من الكلام في المستقبل.
علينا أن نعلّم الطفل خطوات واضحة في حال تعرّض لموقف مريب: قول "لا" بصوت واضح، والابتعاد فورًا، ثم الذهاب لشخص بالغ موثوق: معلم، أخصائي نفسي، أو أي شخص مسؤول، ثم رواية الموقف بدون خوف أو إحساس بالذنب.
وللحق أقول: إن الحماية ليست مسؤولية الأسرة فقط، بل المدرسة أيضًا. وعلى الأهالي أن يطالبوا المدارس بوجود سياسات واضحة للتعامل مع التحرش، وتدريب المعلمين والمشرفين على حماية الأطفال، ووجود كاميرات في الأماكن المشتركة، وأن تكون هناك رقابة على الحمّامات وغرف الأنشطة، والتحقق من خلفيات العاملين بالمؤسسة.
وأخيرًا، مدرسة بلا سياسة حماية ليست مكانًا آمنًا مهما كان مستواها الأكاديمي.
وختامًا، يجدر الإشارة إلى أن التحرش اليوم ليس بالضرورة جسديًا فقط، بل هناك أيضًا التحرش الإلكتروني، وعلى الأهل تحديد قواعد استخدام الهاتف والإنترنت، مثل عدم إرسال صور خاصة لأي شخص، وعدم التحدث مع غرباء، والإبلاغ فورًا عن أي رسالة غير مريحة، مع وجود رقابة مرنة من دون اختراق كامل لخصوصية الطفل.