البث المباشر الراديو 9090
د. إيناس علي
تعيش مصرنا الحبيبة خلال الساعات الحالية اضطرابات حادة في الأحوال الجوية، وسقوط أمطار غزيرة وصلت في بعض المناطق إلى حد السيول.

جاء قرار منح إجازة ليومين متتاليين لكافة المحافظات كإجراء احترازي طبيعي يهدف بالأساس إلى الحفاظ على سلامة المواطنين، خاصة الطلاب.

ومع ذلك، لم يمر هذا القرار دون أن يثير حالة من القلق لدى البعض، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية والأخبار المتداولة عن الحروب، ما فتح الباب أمام الشائعات والتفسيرات غير المنطقية، مثل الربط بين الإجازة ومخاطر نووية أو إشعاعية على خلفية الحرب المشتعلة بين أمريكا وإيران.

من منظور علم النفس والاجتماع، يمكن فهم هذه الاستجابة القلقة باعتبارها نتيجة مباشرة لما يُعرف بـ"العدوى النفسية"، حيث تنتقل مشاعر الخوف والقلق بين الأفراد بسرعة، خاصة في أوقات الأزمات أو عدم اليقين، كما يلعب التعرض المستمر للأخبار السلبية دورًا كبيرًا في تضخيم الإحساس بالخطر، حتى وإن لم يكن هذا الخطر حقيقيًا أو قريبًا.

لكن من المهم هنا التوقف وإعادة تقييم طريقة تفكيرنا، فليس كل حدث طارئ يحمل بالضرورة دلالات مخفية أو تهديدات غير معلنة.

ما شهدناه من تقلبات جوية كان واضحًا وملموسًا للجميع، ومن الطبيعي أن تُتخذ قرارات احترازية لحماية الأرواح. إن الانجراف وراء الشائعات لا يزيد إلا من التوتر النفسي، ويؤثر سلبًا على استقرارنا الداخلي.

القلق المفرط، أو ما يمكن أن نطلق عليه "فوبيا الأحداث"، قد يتحول مع الوقت إلى نمط تفكير دائم، يجعل الإنسان يتوقع الأسوأ في كل موقف، وهذا النمط لا يضر فقط بالصحة النفسية، بل يؤثر أيضًا على جودة الحياة اليومية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى القدرة على اتخاذ قرارات عقلانية.

لذلك، من الضروري أن نتبنى نهجًا أكثر وعيًا واتزانًا في التعامل مع مثل هذه المواقف. أول خطوة هي تقليل التعرض لمصادر التوتر، وعلى رأسها الأخبار السلبية غير الموثوقة أو المبالغ فيها. ليس مطلوبًا أن ننعزل عن العالم، ولكن من المهم أن نختار ما نتابعه بعناية، وأن نعتمد على مصادر رسمية وموثوقة فقط.

ثانيًا، يجب أن نعزز شعورنا بالأمان والثقة. الثقة في مؤسسات الدولة وقراراتها المبنية على اعتبارات واقعية وعلمية تلعب دورًا مهمًا في تهدئة القلق الجماعي، فالشعور بأن هناك إدارة واعية للأزمات يخفف كثيرًا من وطأة التوتر.

أما على المستوى العملي، فهذه الإجازة تمثل فرصة حقيقية يمكن استغلالها بشكل إيجابي. يمكن للطلاب تنظيم وقتهم للمذاكرة من المنزل، ومراجعة ما تم دراسته دون ضغط، كما تُعد قراءة الكتب المفيدة وسيلة رائعة لتنمية التفكير وتوسيع المدارك، فضلًا عن كونها نشاطًا يساعد على الاسترخاء الذهني.

ومن المهم أيضًا الالتزام بالبقاء في المنزل خلال هذه الظروف الجوية غير المستقرة، فالحفاظ على السلامة الجسدية لا يقل أهمية عن الحفاظ على الصحة النفسية. يمكن استثمار الوقت في أنشطة بسيطة داخل المنزل، مثل قضاء وقت مع الأسرة أو ممارسة هوايات هادئة.

في النهاية، الأزمات، وإن كانت بسيطة أو مؤقتة، تختبر قدرتنا على التوازن النفسي، والوعي هو السلاح الأقوى لمواجهة القلق. ليس كل ما يُقال صحيحًا، وليس كل ما يحدث يستدعي الخوف. الهدوء، والتفكير المنطقي، والثقة، هي مفاتيح عبورنا الآمن لأي ظرف طارئ.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز