أحمد محمود
ثم فكرت أن أكتب عن نهاية العام وما حدث في اليمن والسودان وغيرها من البلدان المحيطة بمصر، أو حتى عن المشروعات الجديدة التي أقامتها الدولة المصرية، أو عن الاستثمارات التي نجحت في اجتذابها، وهي أمور هامة بالفعل، لكن ما شغلني حقًا كان يتعلق بمفهوم الدولة العصرية ذاته وكيف يمكن الحفاظ عليه.
ومفهوم الدولة العصرية، إذا حاولنا تعريفه، هو أنها تلك الدولة التي تعتمد على توزيع الصلاحيات، وتنقسم إلى السلطة التشريعية، وهي المسؤولة عن سن القوانين، والسلطة التنفيذية، وهي المختصة بإدارة شؤون البلاد، والسلطة القضائية، والتي تُعنى بفض النزاعات وحماية الدستور. تلك السلطات نتجت عن تطور مجتمعي وقانوني من فكرة «العقد الاجتماعي» بين الحاكم والمحكوم؛ حيث يتنازل الأفراد عن جزء من حرياتهم المطلقة لصالح الدولة مقابل قيام الدولة بتوفير الأمن والاستقرار والرفاهية.
ولعل من أهم الخصائص التي تميز الدولة العصرية اليوم الحوكمة الإلكترونية، باستخدام التكنولوجيا لتسهيل المعاملات وتقليل البيروقراطية، وإتاحة المزيد من الشفافية والمساءلة أيضًا، تلك التي تمنح المجتمع القدرة على مراقبة أداء الحكومة ومحاسبتها، ثم التنمية المستدامة والتخطيط للمستقبل بما يضمن حقوق الأجيال القادمة في الموارد.
والحقيقة أن ما حدث في الدول المحيطة التي انجرفت في صراعات لم تتوقف منذ عقد من الزمن على الأقل، يجب أن ينبّهنا إلى خطورة ما يتم حياكته للمنطقة، وأن ينبهنا أكثر إلى أن أول ما يتم استخدامه لهدم مفهوم الدولة العصرية هو استخدام «آلية الصراع» من الداخل.
هذه الآلية لا تبدأ فجأة، بل يسلك من يزرعها مسارًا ممنهجًا يؤدي في النهاية إلى تحول الدولة من كيان ينظم المجتمع إلى ساحة قتال، كما شاهدناه في عدد من الدول المجاورة.
والحقيقة أيضًا أنه رغم وضوح المحاولات الخارجية لمعظم الدول المنخرطة في صراعات داخلية، وإدراك محاولات ضرب استقرار تلك الدول من أجل أهداف ومطامع واضحة، إلا أنه غالبًا ما ينجح مخطط زرع آلية الصراع بسبب تراجع الوعي، واستغلال الأزمات الاقتصادية لإحداث شرخ في الهوية، واستبدال «المواطنة» بـ«الهويات الضيقة»، حيث يتم إحياء الولاءات القبلية والطائفية والدينية أيضًا، ويتم إقناع المواطن أن جماعته أو طائفته هي التي تحميه وتوفر له الغذاء بدلًا من الدولة، فينهار العقد الاجتماعي، ويصبح المجتمع قابلًا للاشتعال عند أول شرارة خلاف.
من المهم أن نركز على أهمية أن الوعي الجمعي هو «الأساس الخرساني» الذي تُبنى عليه الدولة، بل ومؤسسات الدولة أيضًا؛ وبدونه تظل حتى أقوى المؤسسات معزولة أو معرضة للاختراق. وأن آليات هدم الدول، تلك التي تعتمد بشكل أساسي على حروب الجيل الرابع والخامس، والتي تستهدف عقل المواطن لزعزعة ثقته في دولته، غالبًا ما تنجح في غياب الوعي الجمعي. وإنه من المهم تذكر أن «المواطن الواعي» الذي يمتلك مصفاة ذهنية تميز بين النقد البناء للدولة بهدف الإصلاح، وبين الدعوات التي تستهدف هدم كيان الدولة نفسه، هو ما يجب أن يكون الهدف، وأن تعمل أجهزة الدولة على بناء هذا الوعي من خلال الثقافة والعلوم.
لا شك في أن الوعي الجمعي يخلق حالة من «الاحتضان الشعبي» للمؤسسات الوطنية، ويخلق حالة من الالتفاف الوطني لا تتزعزع. هذا الالتفاف هو الذي يعطي الشرعية والقوة لمؤسسات الدولة لتؤدي دورها في حماية الوطن، خاصة في أوقات الأزمات الكبرى.
أعتقد أن النموذج المصري نجح في مواجهة تلك الآلية من خلال الإصرار على وجود جيش وطني واحد وموحد، ومنع أي شكل من أشكال الميليشيات، ومواجهة الجماعات التكفيرية والإرهابية التي نشطت في أعقاب ثورة 25 يناير، وأيضًا من خلال تقوية المؤسسات الوطنية بالإسراع في بناء بنية تحتية ومشروعات قومية تربط أطراف الدولة بمركزها، بما يمنع نشوء مناطق معزولة يسهل اختراقها.
وأظن أنه رغم ما تحقق، ما زلنا نحتاج إلى إعلام قومي قوي، يستغل رسوخه لدى المواطن في كافة أنحاء الوطن للتوعية ومواجهة آلية الصراع، من خلال إنتاج محتوى يسهم في زيادة الوعي الجمعي، وهو ما سيدعم مشروع الجمهورية الجديدة بقوة، ويدفع المواطن نحو المشاركة القوية في مشروعات التنمية، ويضمن فشل المحاولات الدؤوبة من أعداء الدولة العصرية لاختراق المجتمع وإثارة الفوضى من جديد.