أحمد محمود
لكن ما حدث كان مفاجأة تستحق الكتابة عنها، لنقل حكايات تتعلق بأطباء المستشفيات العامة، خاصة وأن تلك المؤسسات هي "مستشفيات الغلابة"، وأن نقل ما يدور فيها للرأي العام هو أمر يسهم في مساعدة الأطباء العاملين بمؤسسات الدولة على أن يقوموا بدورهم في تقديم الخدمة للمواطنين بأفضل صورة، وهو بمثابة واجب وطني قبل أن يكون وظيفة عامة.
قمت بسداد مبلغ 10 جنيهات قيمة التذكرة الطبية مقابل الكشف، وبمجرد سماع اسمي، دخلت العيادة لأجد عددًا من الأطباء الشباب.
قام أحدهم بتوقيع الكشف الطبي على أسناني وقرر أن "الضرس" المؤلم (والذي سبق إجراء علاج جذور له) قد يحتاج إلى إعادة علاج الجذور، وهو التشخيص الذي وافقت عليه الطبيبة المسؤولة المشرفة على العيادة، إذ اتضح أن هؤلاء الأطباء هم أطباء امتياز يتدربون بالمستشفى.
ومع ذلك، ورغم الموافقة على التشخيص، رفضت الطبيبة المسؤولة على الفور إجراء العلاج بالمستشفى، وعللت ذلك بعدم وجود جهاز أشعة للتأكد من حالة الضرس قبل العمل، وهو إجراء طبي صحيح تمامًا، واقترحت أن أتوجه لمستشفى جامعي.
لكن ما حدث هو أن أحد الأطباء الشباب (والذي بدا متحمسًا للعمل) اقترح عليها بصوت خافت أن يقوم هو بعلاجي، لكنها منعته وأبلغته ـ بصوت خافت أيضًا ـ أن مديرة العيادة وضعت ضوابط محددة للعمل، وأن هناك بعض العلاجات التي يجب رفض القيام بها حتى لا "يفتحوا على أنفسهم فاتحة" بحد تعبيرها.
والحقيقة أنني شعرت أن سلوك الطبيبة المشرفة يستحق النظر؛ إذ فكرت حينها فيما قد يشعر به المرضى البُسطاء الذين لا يمكنهم التوجه لعيادات خاصة تفوق تكلفتها قدراتهم المادية بكثير، لكنني قدّرت أن الأمور قد تبدو بخلاف حقيقتها، وأنه لا بد من الاستفسار أكثر عن أسباب هذا الرفض.
توجهت في مساء نفس اليوم لطبيبي الخاص، واتضح أن الأمر بسيط ولا يتعدى كونه التهابًا في اللثة تم علاجه. وأثناء عودتي إلى المنزل، كانت تساؤلاتي حول رفض الطبيبة في مستشفى الشيخ زايد لا تزال تدور في ذهني، فقررت العودة في الصباح للقاء مدير المستشفى لفهم الأمر بشكل دقيق.
التقيت بنائب مديرة المستشفى، وهو طبيب أسنان أيضًا، وأخبرته بما حدث وبكل ما دار في رأسي. استمع إليّ بهدوء واهتمام، ثم بدأ في شرح الأمر تقنيًا وإداريًا؛ فأخبرني أنه من الناحية الطبية هناك علاجات لا يمكن السماح لأطباء الامتياز بالقيام بها، خاصة وأنهم لا يزالون في طور التدريب، ولا يُسمح لهم بمزاولة المهنة، كما أنه لا يمكن المخاطرة بالسماح لهم بإجراء علاجات تتضمن خطورة وتحتاج إلى خبير متمرس، وفي هذه الحالة يقرر المشرف منعهم، حتى لو كانوا متحمسين، ويبدو أن هذا هو سبب ما حدث معك.
أما في الشق الإداري، فأوضح لي أيضًا أن هناك مسألة تتعلق بالاحتياجات الطبية والمواد المستخدمة، وهي مواد يتم توريدها من خلال "هيئة الشراء الموحد".
والمستشفى هنا، رغم أنه يخدم قطاعًا عريضًا من المرضى بتكلفة زهيدة، لا يستطيع توفير تلك الاحتياجات إلا عبر هذا الطريق، وهو ما يجعل الإدارة غير قادرة على الوفاء بكل العلاجات في كل الأوقات، بما أن المستشفى لا يتحكم في توقيتات التوريد أو الكميات التي تخصصها الهيئة.
والحقيقة أن مستشفى الشيخ زايد العام شهد تطويرًا كبيرًا منذ 2019 وحتى الآن، مما يعكس اهتمام الدولة بالمرافق الصحية العامة. هذا المستشفى وصل إلى مرحلة من التطور والجودة، إلى الحد الذي يستحق من خلاله أن يُطلق عليه لقب "مستشفى الغلابة الفاخر"، وهو الذي أصبح الأكثر ارتيادًا بسبب جودة الخدمة مقابل الأجر المادي الزهيد، وهو ما تؤكده الإحصائيات العلاجية السنوية حول هذا المستشفى بالتحديد.
هذا التطوير الذي نجحت فيه الدولة بالتعاون مع المجتمع المدني بمدينة الشيخ زايد أصبح نموذجًا يُحتذى، أتمنى شخصيًا أن يتم تطبيقه في باقي مستشفيات الدولة.
لكن الحقيقة أيضًا أنه لا يزال هناك الكثير من الدعم الذي يحتاجه هذا المستشفى لتطوير خدماته وتقديم المزيد، وهو ما يتطلب زيارة من قيادات وزارة الصحة لبحث الاحتياجات وتوفير سبل التطوير لهذا الصرح الذي أصبح صورة إيجابية لجهود الدولة تجاه المواطن.
وأخيرًا، أتمنى أن تقوم وزارة الصحة ببحث موقف مستشفى الشيخ زايد من الاحتياجات التي أخبرني نائب مدير المستشفى أن الإدارة طلبتها بالفعل من الوزارة، لكنهم بطبيعة الحال لا يمكنهم التحكم في التوقيتات التي يتم فيها الوفاء بتلك الاحتياجات، مع العلم بأن الوزارة إذا استطاعت أن تضع جدولًا مرنًا ومستدامًا لتلبية تلك الاحتياجات، فإنها بذلك ستتمكن من وضع نموذج إداري طبي مستدام يمكن الاستناد إليه في تطوير باقي المستشفيات والمؤسسات الصحية التابعة للدولة أيضًا، وهو ما سيُضاف إلى النجاح الذي حققته مؤخرًا وزارة الصحة في ملف الصحة في مصر.