البث المباشر الراديو 9090
أحمد محمود
لطالما سُوِّقت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على أنها "وساطة رشيدة" أو "سعي لاستقرار إقليمي"، لكن تلك القشرة الدبلوماسية الخادعة سرعان ما تتهاوى عند أول اختبار حقيقي على الأرض.

واليوم، وفي ظل التطورات الدراماتيكية التي يشهدها لبنان في مطلع 2026، يبرز السؤال الوجودي مجددًا: هل يمكن للعرب الوثوق في نوايا واشنطن؟ لكن الإجابة تتجلى، وفق هذا الطرح، في الخرق الإسرائيلي المتكرر لاتفاقات وقف إطلاق النار واستهداف قلب بيروت، وهو فعل لا يمكن قراءته بمعزل عن الضوء الأخضر الأمريكي الذي يجعل من واشنطن "مهندسًا" لخروقات الكيان الإسرائيلي في المنطقة، لا مجرد مراقب.

وتشير التطورات الأخيرة بالفعل إلى تصعيد واسع في بيروت ومناطق لبنانية أخرى، وسط تضارب بشأن شمول لبنان في ترتيبات التهدئة الأخيرة.

والحقيقة أن السياسة الخارجية الأمريكية، كما يبدو من ردود أفعال الإدارة الأمريكية نحو الهجمات الإسرائيلية على دول المنطقة، لا تنظر إلى الغارات الإسرائيلية على لبنان كخروقات عفوية، بل كأدوات ضغط حيوية تخدم مشروع "الشرق الأوسط الجديد".

فبالنسبة لواشنطن، لم يعد الهدف هو "تعديل سلوك" الأطراف المناوئة لها، بل انتقلت إلى استراتيجية "التحطيم الهيكلي"؛ إذ إنه عندما تصمت الإدارة الأمريكية عن تدمير البنية التحتية اللبنانية واستهداف الجسور الحيوية، فإن ذلك يشكل مباركة عملية يمكن أن يُطلق عليها عنوان "تهشيم الوجه الحضاري للشعوب العربية"، لإيصال رسالة مفادها أن ثمن الصمود في وجه الاستعمار الغربي هو العودة إلى العصر الحجري.

والحقيقة أيضًا أن واشنطن تعتبر أن سيطرة إسرائيل على المرتفعات اللبنانية المتاخمة، مثل "مزارع شبعا" وتلال "كفرشوبا"، ضرورة تخدم الأمن القومي الأمريكي قبل الإسرائيلي؛ فهذه التلال، بالنسبة للرؤية الأمريكية، هي "الآذان والعيون" التقنية التي ترصد العمق العربي وصولًا إلى تخوم العراق وسوريا.

ومن هنا، ترفض واشنطن ممارسة أي ضغط حقيقي للانسحاب من هذه الأراضي، بل تدرجها ضمن "ترتيبات أمنية" تخدم حلف الناتو، مما يثبت أن السيادة العربية هي آخر ما يعني المخطط الأمريكي.

وقد يتجلى عدم الثقة في النوايا الأمريكية بوضوح في تقنية صناعة "الدولة الممزقة"؛ حيث تتقاطع المصالح الأمريكية مع الأهداف الإسرائيلية في نقطة "الإضعاف والتمزيق الممنهج" للنموذج اللبناني، إذ إن بيروت، التي كانت دومًا منافسًا حضاريًا واقتصاديًا لـ "تل أبيب"، يُراد لها اليوم أن تظل غارقة في أزماتها المالية والاقتصادية لمنعها من النمو ومنافسة الكيان اقتصاديًا قبل أن يكون عسكريًا.

تستخدم واشنطن دومًا المساعدات المالية ومنح إعادة الإعمار كـ"جزرة" سياسية للدول التي ترغب في السيطرة عليها، حيث تربطها في لبنان مثلًا بتغيير العقيدة السياسية ونزع سلاح حزب الله أيضًا، وهو الذي تعتبره واشنطن "مخلبًا" عسكريًا يجب قضمه وتقليمه.

هذا النوع من الدبلوماسية يهدف إلى تحويل الدول العربية من كيانات ذات سيادة إلى "كيانات محايدة" ضمن ما يُعرف بالاتفاقيات الإبراهيمية، مما يسهل دمجها في قطار التطبيع القسري تحت وطأة الحاجة الاقتصادية.

تلعب واشنطن أيضًا دور "الوسيط المنحاز" في ملفات المياه والأرض؛ فبينما تسعى إسرائيل إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، تتبنى واشنطن مفهوم "الأمن مقابل الأرض" بصيغته العكسية، أي قضم الأرض لتأمين المستوطنات.

وهو ما يتضح في ملف المياه بخصوص نهري الليطاني والوزاني، حيث تسعى الاستراتيجية الأمريكية إلى "تدويل" الموارد اللبنانية وفرض اتفاقيات تعاون مائي تُجبر لبنان على تقاسم موارده الطبيعية مع الكيان الصهيوني، هذا الانحياز يجعل من واشنطن شريكًا في سرقة الثروات اللبنانية تحت غطاء "القانون الدولي" و"التفاهمات التقنية".

ويرى الموقف الأمريكي الحالي أيضًا، خاصة في ظل إدارة ترامب في 2026، أن أي توازن للقوى في المنطقة يمثل تهديدًا للاستقرار الذي تريده واشنطن في المنطقة على طريقتها؛ لذلك، فهي تدعم التفوق الجوي والميداني الإسرائيلي المطلق، وتريد أن يظل المجال الجوي والبري العربي "ساحة مكشوفة" مستباحة للعمليات العسكرية في أي وقت.

هذا الدعم يهدم أي مفهوم للسيادة الوطنية أو الردع السيادي لدول المنطقة، ويجعل الدول العربية مجرد رقعة شطرنج في الصراع الجيوسياسي الكبير الذي تديره واشنطن.

إن ما يحدث في بيروت والجنوب، ضمن ما يجب دراسته من التجارب التاريخية في المنطقة أيضًا، يؤكد - بحسب هذا المنظور التحليلي - أن واشنطن ليست "حمامة سلام"، بل هي المهندس الذي يرسم حدود "الشرق الأوسط الجديد" بمقدرات الشعوب العربية، وهو ما يجعل الوثوق في نوايا واشنطن ضربًا من السذاجة السياسية؛ إذ كيف يمكن الوثوق في واشنطن التي تضع أمن الاحتلال فوق سيادة الدول وتعتبر تدمير العواصم وسيلة مشروعة لتحقيق مآرب سياسية واستراتيجية تهدف إلى السلم في المنطقة؟ وتشير الوقائع الميدانية الأخيرة إلى استمرار الضربات على بيروت رغم إعلان هدنة أمريكية - إيرانية، وهو ما عزز هذا الجدل السياسي.

وأخيرًا، فإنني أظن أنه لا يمكن أن يكمن الحل في انتظار "العدالة السياسية" من واشنطن، ولا حتى في خلق "ثقل موازن" عبر التحركات الدبلوماسية مع القوى الصاعدة مثل روسيا والصين فقط، بل في الاعتماد على بناء قوة ذاتية تمنع تحويل الأوطان العربية إلى "كيانات مستهدفة" في مواجهة الأخطار الأمريكية، من خلال بناء قوة دفاعية عربية مشتركة، وأظن أن الثقة في واشنطن اليوم ليست مجرد خطأ سياسي، بل هي استسلام استراتيجي في زمن لا يعترف إلا بموازين القوة العسكرية فقط.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز