البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
أضاف ظهور وزير الأمن القومي الإسرائيلي، ايتمار بن غفير، في فيديو تنكيلي جديد، إصبع ديناميت آخر إلى شبكة علاقات إسرائيل الدولية المهترئة نتيجة سياساتها في المنطقة.

فمشهد تلويح الوزير بالعلم الإسرائيلي فوق رؤوس المتضامنين الأجانب وهم مقيدون، بعد تعرضهم لجولات من التنكيل والتعذيب المهين أمام عدسات الكاميرات، ألقى بعبء ثقيل وشاق على سفراء إسرائيل في الخارج لتفسير ما حدث أمام الرأي العام الدولي، لاسيما أن من وسمهم بن غفير بالإرهاب هم مجموعة من المواطنين الأجانب ممن يحملون جنسيات دول أوروبية مركزية، لطالما شكلت عواصمهم حائط صد وخط دفاع عن السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.

فقد أثارت ردود الفعل الدولية على الحدث جدلاً صاخباً في المشهد السياسي الإسرائيلي؛ حيث تواجه تل أبيب أزمة خطاب، ومعضلة علاقات عامة حادة في ظل سلبية النظرة المتصاعدة تجاهها منذ حربها الأخيرة على قطاع غزة، وتزايد الاتهامات الدولية حول ارتكابها جرائم إبادة جماعية تجاه الفلسطينيين هناك، فضلاً عن ممارستها إرهاب دولة ممنهجاً ضد المدنيين العزل في الضفة الغربية عبر غض الطرف عن ميليشيات المستوطنين، وتوفير الدعم الحكومي لها لتصعيد هجماتها.

ولعل آخر هذه الانتقادات وأبرزها ما جاء على لسان رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، أحد أبرز أقطاب اليمين المحافظ في أوروبا، والتي لطالما تبنت لغة مهادنة تجاه إسرائيل وممارستها في قطاع غزة؛ الأمر الذي يشير بوضوح إلى فقدان اليمين الإسرائيلي ظهيره الأيديولوجي، واستنفاد رصيده الاستراتيجي لديه.

لم يقف الاحتجاج على الرأي العام الدولي فحسب؛ إذ ألقى الحدث بظلاله الثقيلة على المشهدين الرسمي والشعبي في إسرائيل أيضاً، حيث وصل الإسرائيليون إلى قناعة لا تقبل التأويل بأن مؤسسات الدولة تتآكل لحساب منطق العصابات والميليشات الذي أسس له بن غفير تحت سمع وبصر رئيس حكومة واهن لا يشغل باله سوى بقاءه السياسي، في ظل المحاكمات الجارية على خلفية اتهامه بالفساد والرشوة.

كما كشف الحدث عن أن إسرائيل باتت تدار برأسين؛ رأس يتمثل في مؤسسات حكومية رسمية عاجزة عن التصرف أمام رأس أخرى يمثله وزير يجر إسرائيل إلى المحاكم الدولية عبر فضاء التيك توك وخوارزمياته، ولا يرى أبعد من بعض مؤشرات الإعجاب على الفضاء الرقمي، أملاً في جذب وإرضاء قواعد انتخابية يضمن أصواتها في الانتخابات المقبلة.

لم يكن من قبيل المصادفة أن تترجم أوروبا غضبها إلى قرارات فورية، حيث قرر وزير الخارجية الفرنسي اعتبار بن غفير شخصاً غير مرغوب فيه ولا يسمح بدخوله للبلاد.

كما دعا أوروبا إلى اتخاذ قرارات عقابية عاجلة تجاه المستوطنين وبعد أقطاب الحكومة الإسرائيلية رداً على ممارسات الوزير تجاه المتضامنين. تزامن هذا القرار مع تحرك بلدية باريس برئاسة ايمانويل غريغوار، بمنح المواطنة الشرفية لمدينة باريس للسكان المدنيين في غزة والضفة الغربية والصحفيين الفلسطينيين، في خطوة سلام تأتي رداً على العنف الأعمى والشريان الإسرائيلي المفتوح من الاستفزازات ليس تجاه الفلسطينيين فحسب، بل تجاه المتضامنين معهم.

لا يدرك الشعبويون، من أمثال بن غفير، أن القوة الغاشمة لم يعد لهم وجود في عالم اليوم، وأن البروباغاندا الموجهة لم تعد قادرة على حجب الحقيقة؛ فمقاطع الفيديو التي يستعرض فيها الوزير نفوذه وجبروته، واعتداءاته الممنهجة ضد أسرى عزل، وعائلات ثكلى، ومتضامنين مكبلين، تحول تصرفاته من مجرد استعراض شعبوي للقوة، أو تكتيك انتخابي مبتذل، إلى عبء استراتيجي وجودي يكشف صورة إسرائيل الحقيقية، ويسوقها كدولة مارقة فاقدة للأهلية السياسية والأخلاقية، أمام مجتمع دولي ضاق ذرعاً بتحويل البلطجة من فعل شارع إلى سياسة رسمية تمارس علناً أمام عدسات الكاميرات.

ورغم المعاناة القاسية التي يعيشها الفلسطينيون تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن وجود مثل هذه الحكومة الإسرائيلية الراديكالية بات يصب، من حيث لا تحتسب، في صالح زيادة الرصيد السياسي والدبلوماسي للفلسطينيين على الساحة الدولية. 

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز