د. سامح خضر
وقد دفع هذا المأزق نتنياهو إلى ممارسة ضغوط مكثفة على وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، لإعادة إحياء التحالف بين "الصهيونية الدينية" و"عوتسما يهوديت" (القوة اليهودية) وخوض السباق في قائمة موحدة لتفادي ضياع أصوات الكتلة.
ويدرك المتابع للشأن الداخلي الإسرائيلي أن العلاقة بين الإرهابيين تشوبها توترات حادة وخلافات عميقة؛ إذ وجه سموتريتش انتقادات لاذعة لبن غفير، متهماً إياه بتسريب مداولات الحكومة إلى وسائل الإعلام، وتبني خطاب شعبوي يستهدف المزايدة على الائتلاف والقضم من القاعدة التصويتية التقليدية لليمين لصالح مشروعه الشخصي وحزبه المستقل.
من جانبه، هاجم بن غفير سموتريتش علناً إثر خلافات محتدمة حول الميزانية، متهماً إياه بتقويض صلاحيات وزارة الأمن القومي ومحاباة قطاعات ووزارات أخرى لتعزيز نفوذ حزب "الصهيونية الدينية" المالي والمؤسسي.
ويعكس إصرار بن غفير على خوض الانتخابات منفرداً قناعته بأن التحالف مع سموتريتش بات عبئاً انتخابياً يطرد شريحة واسعة من الناخبين المحتملين. كما يرى في ضغوط نتنياهو الحثيثة لفرض الوحدة مناورة سياسية مكشوفة؛ لا تستهدف إنقاذ سموتريتش فحسب، بل تسعى بالأساس إلى تحجيم تنامي حزب "عوتسما يهوديت" واستعادة المقاعد التي انتزعها من رصيد حزب الليكود في الانتخابات المقبلة.
وانطلاقاً من هذه الحسابات، يتطلع بن غفير إلى التخلص من حمولة سموتريتش الثقيلة، وتثبيت أقدامه وريثاً شرعياً وخليفة منتظراً لقيادة معسكر اليمين برمته في مرحلة ما بعد نتنياهو.
من جانب آخر، يبرز عوفر فينتر، مؤسس حزب "شعبك يا إسرائيل"، كأحد الفاعلين الجدد الذين يكتسبون زخماً تصويتياً في استطلاعات الرأي الأخيرة.
ولا يختلف فينتر في جوهره الأيديولوجي عن بن غفير وسموتريتش؛ إذ يتبنى مقاربة عقائدية متطرفة ترى في استباحة الدم الفلسطيني مسألة مبررة دينياً ولاهوتياً. وقد اقترن اسمه تاريخياً بمجزرة رفح إبان عدوان 2014، وخطابه التحريضي الصريح لقواته إبان قيادته للواء "غفعاتي"، محولاً المواجهة العسكرية إلى "حرب دينية مقدسة".
ونظراً لما شكله هذا التوجه الفج من حرج مؤسسي وتجاوز للأعراف العسكرية، قوبل مساره الوظيفي بالتعطيل؛ حيث أحيل إلى التقاعد برتبة عميد (احتياط) بعد إجهاض محاولات تعيينه سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء أو لوزير الدفاع.
وتكشف عبثية السجالات والتصريحات الإعلامية المتبادلة داخل معسكر اليمين عن عمق الأزمة الهيكلية التي تضرب في أعماقه؛ لا سيما في ظل التراجع المستمر لأحزاب الائتلاف الحاكم في استطلاعات الرأي، وخروج حالة فوضى تشكيل أحزاب يمينية جديدة تقتات على قواعده التقليدية عن السيطرة والضبط.
نتنياهو، الذي نجح مؤخراً في هندسة قائمة الليكود وإحكام قبضته المطلقة عليها عبر تحجيم وإقصاء كل الطامحين في وراثته، يجد نفسه اليوم مضطراً لهندسة فضاء يميني فوضوي تحكمه الحسابات الفردية والمزايدات المتطرفة، إذا ما أراد تكريس زعامته في ولاية انتخابية جديدة.
فهل تستغل المعارضة هذا التشرذم لتنهي هذه الحقبة؟