د. سامح خضر
لم يكن هذا الزخم مجرد صدى للميدان، بل تحول إلى قوة تفاوضية مؤثرة أفضت إلى اعتراف الولايات المتحدة بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني، فاتحة الباب واسعاً أمام مسارات التسوية السلمية للصراع، وصولاً إلى اتفاق أوسلو الذي قرئ حينها ـ وبكثير من حسن الظن - بوصفه اللبنة الأولى في صرح دولة فلسطينية عتيدة تعيش جنباً إلى جنب مع إسرائيل.
لا يرمي هذا المقال إلى تناول شخصيات أو النيل من أفراد المشهد السياسي الفلسطيني، بقدر ما يسعى إلى استكشاف مآلات الحالة الفلسطينية الراهنة؛ حيث تحولت المواجهة مع المحتل ـ بفعل القصور السياسي ـ من مواجهة جماعية منظمة إلى هبات فردية معزولة.
كما أن الفجوة بين السلطة والمواطن تتجاوز في حقيقتها التباين في اللغة؛ إذ يغدو الخطاب الفلسطيني مجرد غطاء لحقيقة وجود أزمة بنيوية، تعاني منها المؤسسة الفلسطينية.
في السياسة، تحدد الأفعال من واقع ردود الفعل المنتظرة. في هذا الصدد، تبرز خشية السلطة من مخاطر الانهيار كإحدى التعبيرات الجوهرية عن تحولها البنيوي من مشروع تحرر وطني إلى مجرد كيان إداري ارتبط عضوياً من الناحية المالية والأمنية بالاحتلال. متأثرة بغياب الدعم الدولي، وعدم وجود شريك إسرائيلي، وغياب قوى دولية مؤثرة أمام الولايات المتحدة الطرف المتفرد في المشهد الدولي والداعم الأول للاحتلال الإسرائيلي، وهي مبررات تسوقها القيادة السياسية الفلسطينية.
في وسط هذا المناخ، يبرز تساؤل جوهري: ماذا تبقى في جعبة الفلسطينيين من أوراق؟ الواقع يشير إلى أن القضية الفلسطينية مازالت تتربع على عرش العدالة والشرعية القانونية والأخلاقية دولياً، وهي أوراق لا تملكها إسرائيل. بيد أن تعطل العملية الديمقراطية أدى إلى تآكل هذه الشرعية ما أفقد هذه الورقة زخمها، محولة هذا الضغط الدولي ـ الذي كان يمكن توجيهه نحو الاحتلال ـ ليصبح طوقاً خانقاً حول رقبة السلطة الفلسطينية نفسها.
كما أحيت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة حركة تضامنية عالمية مع الفلسطينيين غير مسبوقة، غير أن السلطة تعاملت مع هذا التضامن بمنطق "المشاهد المعجب" لا كشريك استراتيجي يمكنه استغلال الحدث وتوظيفه سياسياً وقانونياً. حتى سردية الضحية التي تأبى الموت بالأسلحة الإسرائيلية، يجري اليوم تحجميها وتصغيرها في أطر بيروقراطية، محولة الفلسطيني من صاحب حق إلى مجرد موظف.
بينما تشير رياح التحولات السياسية في إسرائيل إلى تراجع فرص بنيامين نتنياهو وائتلافه المتطرف، وتفتح الباب أمام شخصيات براجماتية مثل ايزينكوت لتشكيل حكومة يمين وسط، تبرز لحظة حرجة تتطلب يقظة فلسطينية استثنائية. لا يمثل هذا المتغير الإسرائيلي طوق نجاة، بقدر ما يمكن اعتباره "فرصة سياسية" لا يمكن استثمارها دون إجراء السلطة ورشة إصلاح وطني حقيقية. إن العجز الذي تحول إلى استثمار يجب أن يذهب إلى غير رجعة، وأن البوصلة الوطنية الفلسطينية لم تعد بحاجة إلى مجرد ضبط فحسب، بل إلى إعادة توجيه لتصبح قادرة على تحويل هذا التغيير في المشهد الإسرائيلي إلى مكاسب استراتيجية، لا أن تبقى متأهبة لما ستجود به رياح التغيير على الجانب الآخر.