البث المباشر الراديو 9090
د. مصطفى النقيب
لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من مشروعات عملاقة فحسب، وإنما بقدرتها على صيانة هذه الإنجازات والحفاظ عليها، وبمدى وعي مواطنيها بأهمية احترام القانون والمال العام. فكم من مشروع أُنفق عليه مليارات الجنيهات، ثم فقد جزءًا كبيرًا من كفاءته بسبب سلوكيات فردية خاطئة، وغياب المتابعة المستمرة، وضعف الإحساس بالمسؤولية المجتمعية.

والمؤسف أن كثيرًا من الأفكار الجادة لا تجد طريقها إلى التنفيذ، ليس لأنها غير قابلة للتطبيق، وإنما لأن البعض لا ينظر إلى قيمة الفكرة بقدر ما ينظر إلى اسم صاحبها أو منصبه. وفي المقابل، قد تجد أفكارًا أقل جودة طريقها إلى التنفيذ لمجرد أنها صادرة عن شخص ذي نفوذ أو لقب. وهذه إحدى المشكلات التي تعطل مسيرة التطوير، وتؤخر الاستفادة من العقول والخبرات، وتفتح الباب أمام إهدار الفرص.

إن الاعتراف بالمشكلة ليس تشاؤمًا، بل هو بداية الطريق إلى الحل. والنقد الموضوعي ليس هدمًا، وإنما هو أحد أهم أدوات الإصلاح عندما يقترن بالرؤية العلمية والحلول الواقعية.

شهدت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة طفرة كبيرة في إنشاء وتطوير شبكة الطرق والكباري، باعتبارها أحد أهم محاور التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فالطرق الحديثة لا تختصر زمن الرحلات فقط، وإنما تسهم في خفض تكلفة النقل، وجذب الاستثمارات، وتحسين جودة الحياة، ورفع كفاءة الخدمات.

لكن نجاح أي مشروع للطرق لا يبدأ عند مرحلة الرصف، ولا ينتهي بافتتاح الطريق أمام المواطنين، بل يعتمد على منظومة متكاملة تبدأ بدراسة دقيقة للتربة، وتصميم هندسي سليم، واختيار مواد مطابقة للمواصفات، وتنفيذ احترافي، وإجراء اختبارات جودة دورية، مع الالتزام الكامل بمعايير السلامة والصحة المهنية، ثم الاستمرار في أعمال الصيانة الوقائية والمتابعة الميدانية لضمان تحقيق العمر التصميمي المستهدف.

ورغم ما تحقق من إنجازات، لا تزال بعض السلوكيات الفردية تمثل تحديًا حقيقيًا أمام الحفاظ على تلك المشروعات.

ومن أكثر المشاهد استفزازًا قيام بعض المواطنين بحجز أماكن انتظار السيارات في الشوارع باستخدام سلاسل أو حواجز حديدية أو جنزير وأقفال، وكأن الطريق العام أصبح ملكية خاصة. وقد يبرر البعض ذلك بندرة أماكن الانتظار، إلا أن المشكلة لا يمكن علاجها بالاستيلاء على حق عام، وإنما بتنظيم عملية الانتظار، وتعزيز ثقافة احترام القانون وحقوق الآخرين.

فالشوارع ملك لجميع المواطنين، ولا يجوز أن تتحول إلى مناطق نفوذ يفرض فيها كل شخص قواعده الخاصة بعيدًا عن القانون.

ومن الظواهر التي تتكرر يوميًا، توقف بعض سائقي الميكروباص والميني باص عند مداخل ومخارج الكباري لتحميل وإنزال الركاب، في مخالفة واضحة لقواعد المرور، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الحركة وخلق اختناقات مرورية تمتد آثارها إلى مسافات طويلة.

ورغم انتشار كاميرات المراقبة، فإن بعض المخالفين يتحايلون بالتوقف بعد نقاط الرصد، فتظهر أمام غرف التحكم صورة الزحام فقط، بينما يفلت المتسبب الحقيقي من العقوبة.

وهنا تصبح الحاجة ملحة إلى تطوير آليات الرقابة، وزيادة الحملات الميدانية، وتطبيق القانون بحزم على الجميع دون استثناء.

ومن المشاهد التي تستحق وقفة حاسمة، استغلال بعض الباعة الجائلين لكباري المشاة، وتحويلها إلى أسواق عشوائية تعيق حركة المواطنين، وتفقد الكوبري وظيفته الأساسية في توفير عبور آمن للمشاة.

ويظهر ذلك بوضوح في كوبري المشاة ببداية شارع مكرم عبيد، حيث يشغل الباعة أجزاء كبيرة من الممر، إلى جانب انتشار القمامة، ووجود تلفيات في بعض السلالم وأجزاء من الرصف، بما يستوجب التدخل السريع للحفاظ على المظهر الحضاري وسلامة المواطنين.

ولا يمكن إنكار أن المنطقة تشهد كثافة مرورية وبشرية كبيرة، لكن هذا الواقع يستوجب مزيدًا من التنظيم والرقابة، وليس ترك المخالفات حتى تتحول إلى أمر واقع.

الخبرات الإدارية والهندسية تؤكد أن تنفيذ المشروع يمثل نصف النجاح فقط، أما النصف الآخر فيتحقق من خلال المتابعة المستمرة، والتقييم الدوري، والصيانة الوقائية، وسرعة التعامل مع أي خلل قبل أن يتفاقم.

فالمتابعة ليست رفاهية إدارية، بل هي حجر الأساس في الحفاظ على الاستثمارات العامة، وضمان استمرار كفاءة المرافق والخدمات.

إن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكباري. فالتنمية ليست خرسانة وأسفلتًا فقط، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على العلم، واحترام القانون، والانضباط، والشعور بالمسؤولية.

وعندما يلتزم المواطن بالحفاظ على المرافق العامة، ويؤدي المسؤول دوره في المتابعة والمحاسبة، تتحول المشروعات القومية إلى إنجازات مستدامة يشعر الجميع بثمارها.

فالأمم لا تتقدم بالمشروعات وحدها، ولا بالألقاب والمناصب، وإنما تتقدم عندما تصبح الفكرة المخلصة معيارًا للتقدير، ويصبح القانون مرجعًا للجميع، وتتحول المسؤولية المشتركة إلى ثقافة راسخة. عندها فقط نحافظ على ما نبنيه اليوم، ونورث للأجيال القادمة وطنًا أكثر نظامًا، وأقوى بنية، وأوسع أفقًا نحو المُستقبل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز