البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
منذ فترة أسجل في عقلي عدد من الملاحظات وهي التي أخرج بها من المناقشات التي تدور بيني وبين الطلبة الذين أدرس لهم في أماكن عدة من فئات كثيرة منهم الشباب ومتوسطي وكبيري السن، وتعكس التساؤلات التي يسألونها ما يدور في أذهانهم وتعكس لي كيفية رؤيتهم وقراءتهم للواقع وللأحداث السياسية الداخلية والخارجية سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، وهذه التساؤلات والنقاشات والمداخلات جعلتني أرغب في عرضها عليكم وهي جزء وليس الكل.

الملاحظة الأولى هي الأحكام المطلقة، هناك نوع من التفكير النمطي حول ما يحدث في مصر من تطور وتنمية وتغير مجتمعي وحركة مستمرة للطبقات المجتمعية، هنا تبرز الأحكام المطلقة غير القابلة للنقاش، أن ليس هناك جدوى من هذا التطور ما لم تصل نتيجته بشكل مباشر للشخص صاحب السؤال.

«لماذا لم ننجح اقتصاديًا؟!».. وهنا يبدأ النقاش هل تقرأ في الاقتصاد؟ هل تتابع المؤشرات؟ هل تعلم كم فرصة عمل تم توفيرها في المشروعات الكبرى التي ترى أنها غير مجدية وغير ناجحة؟ هل اطلعت على تجارب الدول الأخرى وعرفت كيف نمت؟ هل قرأت استراتيجية مصر 2030 وعرفت ماذا تحقق منها وما التحديات التي واجهت بلدنا وكيف تعاملت معها الدولة؟ كيف كانت الدولة عام 2014 في الكثير من المجالات؟ هل لاحظت أن البنية التحتية التي تم ويتم إنجازها لدولة ينتظر لها دور كبير في النظام الإقليمي والدولي؟ هنا الإجابة منهم: لا، هذا يقودنا إلى الملاحظة الثانية.

وهي عدم المتابعة والقراءة الجيدة حول الموضوعات محل النقاش، لاحظت أن مصادر المعلومات ليس من تقارير لجهات رسمية سواء خارجية أو داخلية، وزارات وبنوك مركزية ومنظمات إقليمية ودولية، وإنما مصادر سمعية أو من وسائل التواصل الاجتماعي التي تنشر الشائعات أو قنوات لا يعرفون توجهها، وما أهدافها، وما الرسالة التي ترغب أن توصلها لهم غير التشويش على الفهم كبداية للسيطرة على الرأي والسلوك، وهنا نصل للملاحظة الثالثة.

وهي الانطباعات التي تصل إلى قناعات، لاحظت من طريقة إلقاء السؤال أن هناك تأكد بأن موضوع السؤال حدث بالفعل، وبعد شرح مستفيض للإجابة على السؤال الذي عكس كما ذكرت ينم عن عدم قراءة وإطلاع أن ما كان لدى السائل كانت انطباعات تحولت لقناعات هو على استعداد للجدال حولها ليثبت أن انطباعه حقيقة، وحقيقة مطلقة تصل للمسلمات، هنا يدخل فيها قناعات بنظرية المؤامرة وهنا يجعلني أنظر أننا لا نريد الاعتراف بأن هناك تقدم ونجاح حدث كما يوجد رغبة في تحمل المسئولية ولكن هناك رغبة في إلقائها على الآخر سواء بالداخل أو الخارج. وهذا يقودنا للملاحظة الرابعة.

وهي الرؤية الأحادية لكل القضايا سواء الشخصية أو العامة، والتي يظهر فيها أن ما يطرحه السائل هو الرأي الصحيح ولا يرغب في سماع الرأي الآخر (سواء من أفراد الأسرة أو أهل العلم والخبرة)، بل يرفضه ولديه الرغبة في المجادلة وخروج الحديث عن قواعده، وهنا يكون تدخلي لضبط النقاش، الاستماع والصمت أساس التعلم والمعرفة، ومن يرفضهم سيظل جاهل بالكثير، وسيظل يراوح في مكانه، ويحرم نفسه من المعرفة والتعرف على آراء أخرى من شأنها أن يجد فيها نورا في نهاية الطريق أو تنير له طريقا، وأيضًا نصل للملاحظة الخامسة.

وهي محدودية التجارب الشخصية، أن هناك اتهام للمجتمع بأنه لا يوفر مناخا للاندماج، وهنا يطرحون مثالا بالساحل الشمالي والكموباوند وأن هناك طبقة مختلفة ومنعزلة عن المجتمع وشبه بعض، ومؤخرا بدأ الحديث عن مصر وEGYPT، ولتحليل هذا التغير في المجتمع يمكن القول أن ما يرونه فوارق هي نابعة عن التطور الاقتصادي في الدولة وانتقال أفراد من طبقة لأخرى على المستوى المادي، فباختصار من يسكنون الساحل أو الكومباوند هم نتائج خلفيات تعليمية مختلفة ولديهم حياة فيها درجة من الاندماج، وهذه الاحكام نتاج محدودية التجارب الشخصية، بالإضافة إلى ذلك هناك اشكاليتين أن هذا الانتقال لم يصاحبه تغير سلوكي وقيمي وأيضا لم يصاحبه قبول مجتمعي، فبالنسبة للتغير السلوكي والقيمي فإن بعض من انتقل للسكن في هذه الأماكن يرفض أن يتجانس مع نفسه ومع واقعه الجديد ليسلك سوكا سويا كغيره من ساكني هذه الأماكن بل يتنكر لأصحاب طبقته السابقة ويتعالى عليها وهنا تظهر الترندات مع أي تصرف مخالف مع هذه الأماكن، وبالنسبة للقبول المجتمعي، فبعض السكان الذين ينتمون للطبقة العليا يرفضون قبول البعض من الطبقة الجديدة لأنهم لم يغيروا من سلوكهم في احترام حدود الآخر ومفهومهم للحرية التي تصل إلى مرحلة التدخل والفضول في حياة الآخر ولديهم الحق في مساحتهم الشخصية، وأيضًا نصل للملاحظة السادسة.

وهي تداخل المفاهيم، لا يجيد الكثير من الطلبة تحديد المفاهيم وضبطها بل هناك تداخل فيما بينها، ومنها مفهومهم عن الحرية وحقيقة وجود تباين فيما بيننا، فالكثير منهم لديهم تعريف لمفاهيم وقيم وفق قناعاته الشخصية ويرفضون أي تعريفات مخالفة، بل يصل الأمر لدى البعض بضرورة فرض مفاهيمه على المجتمع، فالحرية تنتهي عن حدود حرية الآخر، كما يجب الاعتراف بأننا متباينين علميا وماديا وأن هذا التباين ثراء للمجتمع والدولة، وأن قبوله يساعد على الاندماج والتماسك المجتمعي، أن إعمال العقل ضرورة الآن، وهنا تأتي الملاحظة السابعة.

وهي غياب التفكير النقدي، أن هناك توجه بالتسليم بما يتم سماعه من أشخاص محل ثقة أو من وسائل التواصل الاجتماعي، أو القنوات المختلفة، دون طرح تساؤلات مضاده لما يطرح، أو محاولة بذل مجهود في البحث عن وجهة نظر أخرى من خلال تعدد مصادر المعرفة، لا يوجد رغبة في بذل مجهود لدى البعض، إن طرح سؤال لماذا؟ سوف يفتح مجال للنقاش وتقديم الحجج والأدلة وإعمال العقل، وسيدفع بمن يسأل هذا السؤال أن ينهل من المعرفة وأن يعتاد إلى بذل مجهود للحصول على المعرفة ليصبح سلوكا معتادا.

الملاحظات السابقة يمكن القول إنها ستتسبب لدى البعض في صعوبة تحديد المستقبل والتخطيط له على المستوى الشخصي، وبعد المسافة بين السلام الداخلي والخارجي، ومن ثم الاندماج والتماسك المجتمعي، علينا أن نبذل مجهودا في إعمال العقل قبل أن نقع في محيط من الأحكام المطلقة، عدم المتابعة وعدم المعرفة عن المجالات المختلفة فمعرفة شيء عن كل شيء سيحدث فرقا، الانطباعات التي تصل إلى قناعات، الرؤية الأحادية، محدودية التجارب الشخصية، تداخل المفاهيم، وغياب التفكير النقدي.

استخدمت كلمة البعض -عن قصد- في المقال حتى لا أقع في أخطاء طلابي، كما لا أستطيع أن ادعي معرفة أكثر، فمازلت أقرأ، أتعلم، أبحث، وسأظل أفعل في زمن كثر فيه التطور العلمي في كافة المجالات وبشكل متسارع، يصعب معه القول بأن هناك من يعرف ويفهم كل شيء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز