البث المباشر الراديو 9090
الدكتورة سماء سليمان
كنت دائمًا أطرح في محاضراتي ودراساتي حول الأمن الإقليمي العربي أن اندلاع حرب مباشرة بين إسرائيل وإيران يظل احتمالًا محدودًا طالما ظل هناك تقاطع في المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، فرغم الخطاب العدائي المتبادل، فإن كلا من المشروعين الإسرائيلي والإيراني استفاد، بدرجات مختلفة، من البيئة الإقليمية التي اتسمت بتراجع الدولة الوطنية العربية، وتفكك منظومة الأمن العربي، وظهور فراغات استراتيجية سمحت لقوى إقليمية ودولية بإعادة تعريف أدوارها ومواقعها في المنطقة.

كنت أرى أن المواجهة المباشرة بينهما لن تحدث إلا عندما تتغير طبيعة العلاقة غير المعلنة بين مشروعيهما، وعندما تبدأ حدود النفوذ في التداخل، وتتحول مناطق التوافق إلى مناطق تنافس، خاصة مع اختلاف حسابات القوى الدولية الكبرى المرتبطة بكل طرف.

واليوم، يبدو أن المنطقة وصلت إلى هذه النقطة، حيث لم تعد المواجهة الإيرانية الإسرائيلية أو الإيرانية الأمريكية مجرد صراع على ملفات محددة، وإنما أصبحت جزءًا من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط وعلى موقع المنطقة داخل النظام العالمي الجديد.

إن قراءة الحرب الحالية من زاوية عسكرية فقط، والتركيز على الصواريخ والطائرات والمنشآت النووية، يؤدي إلى تجاهل البعد الأعمق للصراع، فالحروب في المنطقة أصبحت أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة، وتحديد طبيعة التحالفات، ورسم خرائط النفوذ.

ومن هنا فإن الوجه الآخر للحرب الإيرانية الأمريكية يتمثل في الصراع على مستقبل المنطقة، ومن يمتلك القدرة على صياغة قواعدها السياسية والأمنية والاقتصادية.

خلال العقود الماضية، شهد النظام العربي تراجعًا تدريجيًا نتيجة سياسات اسرائيل وإيران وتركيا فضلا عن وجود مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، بدءًا من الحروب الممتدة، مرورًا بالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى انهيار مؤسسات الدولة في عدد من الدول بعد الثورات العربية، وقد أدى ذلك إلى نشوء فراغ استراتيجي سارعت قوى إقليمية إلى ملئه وفق رؤاها ومصالحها الخاصة.

في هذا السياق، تطور المشروع الإسرائيلي باتجاه بناء منظومة إقليمية تعتمد على التفوق التكنولوجي والأمني والاقتصادي، وتسعى إلى جعل إسرائيل محورًا رئيسيًا في ترتيبات المنطقة الجديدة، خصوصًا في مجالات الأمن والطاقة والتكنولوجيا والاتصالات، وقد وجد هذا المشروع دعمًا استراتيجيًا أمريكيًا باعتبار أن الحفاظ على التفوق الإسرائيلي يمثل أحد ثوابت السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

وفي المقابل، عمل المشروع الإيراني على بناء نفوذ إقليمي يعتمد على توسيع دائرة الحلفاء والشركاء، وإنشاء شبكات سياسية وعسكرية تمنح طهران قدرة على التأثير في ملفات المنطقة، وقد ساعد ضعف عدد من الدول العربية على توسع هذا النفوذ، وتحول بعض الأزمات الداخلية إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي.

ورغم العداء المعلن بين المشروعين الإسرائيلي والإيراني، فإن عدم وجود مشروع عربي تحولت العديد من الدول العربية إلى ساحات للتنافس بدلًا من أن تكون أطرافًا فاعلة في صناعة القرار الإقليمي.

إن استمرار حالة عدم الاستقرار في المنطقة لا يمكن فهمه فقط باعتباره نتيجة للصراعات القائمة، بل باعتباره جزءًا من معادلة دولية وإقليمية معقدة، فبعض القوى ترى في المناطق غير المستقرة فرصة لتوسيع النفوذ، وإعادة ترتيب التحالفات، ومنع ظهور قوة إقليمية مستقلة قادرة على تغيير قواعد اللعبة، وخاصة مصر والسعودية.

وهنا تظهر أهمية الحديث عن غياب المشروع العربي تطلقه جامعة الدول العربية في ظل تسلم الأمين العام الجديد الوزير د. نبيل فهمي بخبراته الواسعة وادراكه للتحولات العالمية والدولية والإقليمية من خلال دعوته لحوار فكري يطرح تصورا لهذا المشروع ليكون قادر على مواجهة التحولات.

والمقصود بالمشروع العربي الجديد ليس العودة إلى نماذج سياسية تاريخية، وإنما بناء إطار حديث يقوم على تعزيز الدولة الوطنية، وتحقيق التكامل الاقتصادي، وتطوير القدرات الدفاعية، والاستثمار في التكنولوجيا والمعرفة، وإنشاء منظومة تعاون تجعل الدول العربية أكثر قدرة على التأثير في محيطها.

فالمنطقة العربية تمتلك عناصر القوة اللازمة لبناء مشروع إقليمي مؤثر، فهي تمتلك الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والطاقة البشرية، والأسواق الكبيرة، لكن هذه الإمكانات ظلت أقل من قدرتها الحقيقية بسبب غياب التنسيق الاستراتيجي واستمرار الأزمات التي استنزفت الموارد وأضعفت القدرة الجماعية.

ولا يمكن فصل الصراع الإيراني الأمريكي عن التحول الأكبر في النظام الدولي، حيث يشهد العالم انتقالًا تدريجيًا من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة تنافس القوى الكبرى، خاصة بين الولايات المتحدة والصين، وأصبحت المنطقة العربية أحد ميادين هذا التنافس بسبب أهميتها الجغرافية والاستراتيجية، وارتباطه بالطاقة والتجارة العالمية والممرات البحرية.

فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي في المنطقة، وضمان أمن حلفائها، ومنع توسع منافسيها، بينما تعمل الصين على بناء علاقات اقتصادية وسياسية متزايدة مع دول المنطقة، ضمن رؤيتها الأوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وشبكات التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، تتحرك القوى الإقليمية باعتبارها أدوات وفاعلين في الوقت نفسه، فهي تسعى إلى تحقيق مصالحها الوطنية، لكنها تعمل داخل بيئة دولية تحددها المنافسة بين القوى الكبرى، ومن ثم فإن الصراعات الإقليمية الحالية تحمل أبعادًا تتجاوز حدود الدول المتصارعة، لتصبح جزءًا من صراع عالمي على النفوذ والنظام الدولي القادم.

إن الخطر الأكبر على العالم العربي ليس فقط اندلاع حرب هنا أو أزمة هناك، وإنما استمرار غياب القدرة العربية على إنتاج رؤية استراتيجية مستقلة، فالدول التي تفتقد مشروعها الخاص تصبح دائمًا جزءًا من مشروعات الآخرين، وتتحول من لاعب إلى ساحة للمنافسة.

ولهذا فإن الأولوية العربية يجب أن تكون إعادة بناء الدولة الوطنية القادرة، ودعم الدول التي تواجه أزمات، وإطلاق مسار جديد للتكامل العربي يقوم على المصالح المشتركة لا على الشعارات، فالقوة العربية المستقبلية لن تأتي من مواجهة مشروع إقليمي بمشروع آخر، وإنما من بناء منظومة عربية قادرة على التفاعل مع الجميع من موقع القوة والاستقلال.

إن الحرب الإيرانية الأمريكية ليست فقط مواجهة على النفوذ أو الردع، بل هي معركة على شكل الشرق الأوسط القادم.

والسؤال الحقيقي ليس فقط من سينتصر في هذه المواجهة؟ بل هل ستظل المنطقة ساحة لتنافس الآخرين، أم ستتمكن الدول العربية من استعادة دورها وصياغة مشروعها الخاص في النظام العالمي الجديد؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز