البث المباشر الراديو 9090
د. سامح خضر
تدشيناً لحملته الانتخابية، استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو -المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية- منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ وهي فرصة لا تتاح للقادة سوى مرة واحدة سنوياً، لا لمخاطبة الرأي العام الدولي، بل لتوجيه خطابه بالأساس إلى جمهور المستوطنين، واليمين المتطرف، وقاعدته الانتخابية داخل إسرائيل. وبعيداً عن أدوات التهكم والسخرية ممن غادروا القاعة أو ممن آثروا البقاء فيها -وهي مسألة سنفرد لها حيزاً في نهاية هذا المقال- فإن الخطاب في جوهره لم يطرح أي جديد على مستوى الرؤية السياسية لإسرائيل خلال المرحلة المقبلة؛ الأمر الذي يؤكد أن نتنياهو اختار التحصن داخل هذا النهج -خطابياً على الأقل- تثبيتاً لقاعدته التصويتية.

لقد تجاوز خطاب بنيامين نتنياهو المضمون الدبلوماسي الموجه إلى المجتمع الدولي؛ إذ اختار تسخير المنبر لأغراض التعبئة الداخلية، مغلفاً إياه بنبرة هجومية تكرس صورته كقائد محارب لا يتردد في الوقوف وحيداً في مواجهة العالم ذوداً عن إسرائيل. وهي ورقة اعتاد توظيفها لإحكام قبضته على الجبهة الداخلية، والهروب من استحقاقاته السياسية ومآزقه القضائية المتراكمة، والتمايز عن منافسيه الذين يفتقرون إلى البراعة السياسية أو الكفاءة الخطابية اللازمة لترسيخ مثل هذه الصورة في الوعي الإسرائيلي. وكان لافتاً استباق الجوقة الموالية له هذا الظهور بنعت الأمم المتحدة بـ "بيت الكذب"؛ وهو توصيف يجانبه قدر كبير من الصحة، فعلى المنصة ذاتها روجت إدارة بوش مزاعم أسلحة الدمار الشامل في العراق، ومن فوقها أطلق نتنياهو نفسه، على مر السنين، سيلاً من التلفيقات والأكاذيب بشأن البرنامج النووي الإيراني، وبحق الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين. غير أن النسخة الراهنة من نتنياهو ذهبت أبعد من ذلك؛ إذ اختارت شخصنة المشهد السياسي برمته واختزاله في بقائه الشخصي، محولة دفة الخطاب من محاولة تبرير السياسات وشرح الأهداف، إلى سفسطة شعبوية مبتذلة لا تليق حتى بمرشح لمجلس محلي مغمور.

اتهم نتنياهو وسائل الإعلام العالمية بتضخيم اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، زاعماً أن الأمر لا يعدو كونه تصرفات من نحو مئة وخمسين شاباً من مثيري الشغب بدافع الدفاع عن النفس.

وبصرف النظر عن كون هذا الادعاء كاذباً جملة وتفصيلاً، وما ساقه نتنياهو إلا لدغدغة مشاعر غلاة المستوطنين واستقطابهم للتصويت لكتلته في الانتخابات الوشيكة، فإن التقارير الرسمية الصادرة عن الجيش الإسرائيلي نفسه، والتحذيرات المتكررة لقادة أجهزة الأمن الإسرائيلية بضرورة لجم هؤلاء ومحاسبتهم على إرهابهم الممنهج، تسقط تماماً ذريعة "المؤامرة الإعلامية الخارجية". بل إن الرئيس الإسرائيلي ذاته ندد بهذه الممارسات ووصفها بالمخزية، ناهيك عن شجب السفير الأمريكي في تل أبيب -المحسوب على أشد التيارات تطرفاً وتأييداً لليمين- لهذه الاعتداءات ووصف مرتكبيها بالإرهابيين اليهود.

أراد نتنياهو مؤرخي بلاط وكتبة تاريخ بلا ضمير، يضعونه في مصاف وايزمان، وبن غوريون، ورابين، وبيريز في الوعي الجمعي الإسرائيلي. غير أن هؤلاء جميعاً -بصرف النظر عما اقترفوه من فظائع بحق الشعب الفلسطيني- لم يقبلوا هدايا صناديق السيجار الفاخر وزجاجات الشمبانيا، ولم يقايضوا القرارات السيادية والامتيازات التنظيمية بتغطية إعلامية محابية، ولم يتورطوا في تلقي الرشاوى، ولم تسئ زوجاتهم إلى العاملين في مقر إقامة رؤساء الوزراء، ولم يخسروا قضايا قذف وتشهير أمام معارضيهم. يدرك نتنياهو تماماً أن هالته القيادية المتخيلة أخذت في التآكل والانحسار منذ اللحظة التي سعى فيها للالتفاف على لوائح الاتهام الجنائية التي تلاحقه عبر تدجين المنظومة القضائية وإخضاعها؛ ولهذا فإنه يدافع عن آخر ما تبقى من قلاع البقاء السياسي والشخصي بأظافره واللحم الحي.

في قراءة نقدية لافتة نشرتها صحيفة "معاريف"، رصدت الباحثة والمحللة النفسية ليراز مرغليت ملاحظتين جوهريتين في خطاب نتنياهو الأخير أمام الأمم المتحدة؛ حيث استوقفتها الكثافة غير المسبوقة في استخدام صيغ التملك وضمائر الحيازة الفردية مثل: "دولتي، وشعبي، وعاصمتي". فوفقاً للمنظور السيكولوجي، كلما تماهى الفرد مع موقع نفوذ شغله لفترة طويلة من حياته، يصبح الفصل بين كيانه الذاتي ووظيفته العامة صعباً؛ وحين يستشعر تهديداً وشيكاً لعرشه، تنشط لديه لاإرادياً آليات "ترسيم الحدود والدفاع عنها". وترى مرغليت أنه بالنسبة لشخص استأثر بالسلطة لعقود، لم يعد الحكم مجرد منصب سياسي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من هويته الوجودية؛ ومن ثم فإن هذا التكثيف اللفظي بفرض الملكية قبل أسابيع معدودة من الانتخابات، يعكس قلقاً وجودياً دفيناً. وحين يتقاطع هذا البعد السيكولوجي مع تصاعد حظوظ منافسه غادي آيزنكوت وقوى المعارضة، إلى جانب الأزمات القضائية والفضائح العائلية التي تحاصره، والوضع الصحي الواهن، يتضح المأزق التاريخي الحرج الذي يواجهه نتنياهو وهو يصارع من أجل بقائه الأخير.

أما الملاحظة الثانية التي كشفت عورة هذا الخطاب -كما وعدنا في مستهل هذا المقال- فهي خروج الحاضرين من القاعة احتجاجاً، ومحاولة نتنياهو التغطية على هذا الحدث غير المسبوق بالتهكم الفج والسخرية المبتذلة، واستعراض أدوات الإثارة المسرحية كأجهزة البيجر والستارلينك، وتوزيع الاستهزاء يمنة ويسرة على قادة دول وخصوم إقليميين. فوفقاً للمحللة النفسية الإسرائيلية، لا تعكس السخرية والازدراء فائض قوة، بل هما الحيلة الأخيرة لمن أعلن إفلاسه التام ويأسه من القدرة على الإقناع وصناعة الأمل.

لقد اعتاد نتنياهو على مدى عقود نسج سرديات الخلاص والوعود الكبرى لاجتذاب المترددين، غير أن تحوله إلى التهكم والاستهزاء يؤكد أنه سلم بضيق دائرته وانقطاع حبال الاتصال بينه وبين العالم وبينه وبين الشارع الإسرائيلي. وهنا تتجلى المفارقة التراجيدية؛ فالرجل الذي اعتلى أرفع منصة دولية، بدا متوتراً ومعزولاً، ليثبت بالبرهان القاطع أنه لم يعد هناك، في الداخل أو الخارج، من يخاطبه نتنياهو.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز