البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
من الظواهر الجميلة هذا العام أن يتم التركيز على التجمعات الجماهيرية للاحتفال والاحتفاء بعيد السيدة العذراء، خاصة في الأماكن التي شهدت، منذ نحو ألفي عام، زيارة العائلة المقدسة واستقرارها في مصر لبعض الوقت، يصل إلى نحو ثلاث سنوات ونصف، ولا سيما في محافظة أسيوط.

ومن دير «درنكة» يمكنك أن ترى تمثال السيدة العذراء، فاتحًا ذراعيه ومباركًا الزائرين من مسيحيين ومسلمين، ومطلًا على البيوت والمساحات الخضراء. وعندما كنا نرى في طفولتنا تمثال السيدة العذراء في لبنان في الصور وبعض الأفلام العربية، كنا نتساءل بشغف عنه، ونتمنى أن يكون لدينا مثله، إلى أن تحقق ذلك في السنوات الأخيرة.

حدث ذلك في ظلال الاحتفالات بعيد السيدة العذراء في 22 أغسطس من كل عام، الموافق 16 مسرى وفقًا لشهور التقويم القبطي، وهي: توت، بابة، هاتور، كيهك، طوبة، أمشير، برمهات، برمودة، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى، والنسئ.

وتتويجًا لفترة صيام استمرت 15 يومًا، بدأت في السابع من أغسطس، أقيمت نهضة سنوية كنسية تتضمن القداسات والصلوات والعشيات، ومفردها «عشية»، وهي الصلوات المسائية أو الأمسيات الدينية، إلى جانب تسبحة منتصف الليل.

ويُعتبر دير درنكة المحطة الأخيرة في رحلة العائلة المقدسة، التي ضمت السيدة العذراء مريم، وابنها السيد المسيح، والقديس يوسف، وبصحبتهم القابلة سالومي.

وكانت الفرما، بعد اجتياز رفح والعريش، أولى محطات الرحلة، ومنها اتجهت العائلة إلى دلتا مصر، ثم ارتحلت غربًا إلى وادي النطرون، ومنه إلى مصر القديمة، ثم جنوبًا.

وكانت من أهم المحطات في مسار الرحلة التاريخية تل بسطا بمحافظة الشرقية، حيث تفجرت عين ماء، كما تحطمت التماثيل وانقلبت على وجوهها بمجرد دخولهم المدينة، وتكرر ذلك في عدة مدن مروا بها بجوار معابد الأوثان.

ثم جاءت مسطرد وبلبيس، حيث توجد كنيسة باسم السيدة العذراء. وهناك، بحسب التقليد المسيحي، أقام الطفل يسوع ميتًا، إذ تؤمن العقيدة المسيحية بوجود جانبين في شخص السيد المسيح؛ جانب إنساني ينمو ويأكل وينام مثل البشر، وجانب إلهي خفي لا يتبدل ولا يتغير.

ثم انتقلت العائلة المقدسة إلى سمنود، ومنها إلى سخا، حيث أوقفت العذراء ابنها على حجر، فطبعت صورة قدميه عليه، ولا يزال الحجر موجودًا حتى الآن، كما تفجر من الحجر ماء شربوا منه.

ثم وادي النطرون، حيث توجد أربعة أديرة شهيرة هي: دير الأنبا بيشوي، ودير السريان، ودير البراموس، ودير الأنبا مقار.

ومن هناك اتجهوا إلى عين شمس والمطرية، حيث توجد شجرة مريم، ثم إلى مصر القديمة، ومنها إلى المعادي، حيث أقلعت العائلة في مركب شراعي إلى الجنوب.

ومروا بالجيزة والبدرشين، ثم منف «ميت رهينة»، واتجهوا جنوبًا إلى محافظة المنيا، مرورًا بمغاغة وسمالوط، ثم إلى جبل الطير. وأثناء عبورهم، وقعت صخرة من أعلى الجبل، وكادت أن تسقط عليهم، فخافت العذراء على ابنها، فرفع يديه إلى أعلى باتجاه الصخرة، فتوقفت، وطبع كفه عليها دون أن يلمسها، وهي موجودة حاليًا في «المتحف البريطاني».

ثم اتجهوا جنوبًا إلى جبل قسقام «دير المحرق»، وهي أطول فترة أقاموا فيها. وتعتبر المغارة التي عاشوا فيها، وفقًا للتقليد المسيحي، أول كنيسة، وتعرف باسم «كنيسة المغارة».

ومن هناك اتجهوا إلى جبل أسيوط، حيث دير درنكة، محطتهم الأخيرة، ومنها عادوا أدراجهم لتبدأ رحلة العودة إلى بلادهم مرة أخرى.

وبالإضافة إلى أن العذراء لها مكانتها الخاصة في قلوب المسيحيين والمسلمين، وأنها تمثل أحد عناصر التقارب التي تجمعنا، فإن الأمر يجب أن يُنظر إليه أيضًا من زاوية أخرى، بصورة مجردة لا تقتصر على البعد الديني؛ وهي الاهتمام بالمزارات الدينية والسياحة الدينية، ليس داخليًا فقط، وإنما بوضع هذه المزارات على خريطة السياحة العالمية.

فالمسألة هنا ليست دينية بحتة تخص أبناء دين واحد، وإنما هي مسألة وطنية وهدف سياحي قومي يمكن أن يسهم في إنعاش السياحة المصرية، وزيادة إيراداتها، وتعزيز الدخل القومي.

فالمسألة هنا لا تتعلق بالإيمان الديني، وإنما بمصالح الدول وكيفية تنظيمها واستثمار ما تمتلكه، وما يوجد بالفعل على أراضيها.

مثلًا الأردن، جعل بالفعل من موقع معمودية السيد المسيح مزارًا عالميًا، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، وبدأت من الآن في وضع خريطة الاحتفالات بالألفية الثانية لمعمودية السيد المسيح في نهر الأردن عام 2030.

فقد قامت بتشكيل لجنة وطنية عليا تضم شخصيات حكومية وقيادات كنسية وممثلين عن منظمة اليونسكو، كما رصدت ميزانية قدرها 27 مليون دولار لتطوير البنية التحتية للمناطق المحيطة بالمغطس، إلى جانب مشروع لإنشاء قرية متكاملة للزائرين بتكلفة 40 مليون دولار، تضم مطاعم وأماكن للراحة وفندقًا.

ومن المنتظر أيضًا إنشاء متحف خاص بالحدث في عام 2029، وهو ما يؤكد أن الأردن لا يستثمر فقط أهمية المكان بالنسبة إلى مسيحيي العالم، وإنما يمتلك رؤية وخططًا مستقبلية لإظهار وتعظيم مكانته السياحية.

ومن هنا، ينبغي الترويج لرحلة العائلة المقدسة في مصر عالميًا، وأن يكون لها برنامج سياحي خاص ومتميز، وأن تقترن بالبرامج السياحية الموجودة بالفعل.

ويمكن أن تضاف إليها أيضًا أماكن تجليات العذراء في العصر الحديث، مثل كنيسة الزيتون بالقاهرة، وكنيسة العذراء بدقادوس بمحافظة الدقهلية، وفي منيا القمح بمحافظة الشرقية، وشنتا الحجر بمحافظة المنوفية، مع تجهيز المناطق المحيطة بهذه الأماكن بما يليق باستقبال زائرين من جميع أنحاء العالم.

ومن شأن ذلك أن يضع محافظات غير سياحية، مثل الدقهلية والشرقية وكفر الشيخ والمنوفية، على الخريطة السياحية العالمية، بما يمكن أن يسهم في تغيير الخريطة السياحية المصرية، ورفع الدخل المحلي لتلك المحافظات، وتعزيز الناتج القومي الإجمالي.

ومن الممكن أيضًا ربط هذه البرامج بموسم الشتاء، لتصبح مصر بلاد الشمس الساطعة و«مشتى العالم». فكما لجأت إليها العائلة المقدسة هربًا من بطش الحاكم الذي ظن أن الطفل المولود سينتزع منه العرش، يمكن أن يلجأ إليها العالم بحثًا عن الدفء والشمس المشرقة، وهربًا من قسوة الشتاء.

وعندها، يمكن أن تشرق أنوار العائلة المقدسة على العالم من مصر.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز