البث المباشر الراديو 9090
مريم عيد
جيل الثمانينيات من أكثر الأجيال المعاصرة حظًا موسيقيًا لأنه تربى على سماع ألحان عبقرية لـ عمار الشريعي، وهاني شنودة.. إلا أن ألحان عمار الشريعي بها نوع من الشجن يظهر في بعض أغاني فريق "الأصدقاء".. "وابتدا شيء ينجرح جوا القلوب"، وهكذا في تتري المقدمة والنهاية الرائعين لمسلسل "الأيام".

يُمكن للشجن أن يُعبر عن بعض أحزاننا، لكن الفرح أكثر دوامًا، ويُعبر عن حالة إيجابية أكبر، ويُعالج حزن المُتشائمين... فكلاهما "الشجن والفرح" مشاعر إنسانية يحتاج الإنسان للتعبير عنها، ولكن عندما يمتزج الفرح والبهجة الفنيين بالصور المُعبرة عن واقع المصريين، وعن التفكير الإنساني بطريقة إيجابية، وغير مألوفة فتلك حالة مصرية خاصة... حالة مصرية ذكية.

نمط شخصيات أعضاء فريق "المصريين"، وأصواتهم تمثل تجربة فنية مصرية من نوع خاص؛ "إيمان يونس"، المعيدة بمعهد الموسيقى، صوتها يعبر عن الأوبرالية الداخلية لبعض الفتيات المصريات المثقفات، ومن المفارقات أنها من الممكن أن ترتدي منديل بأوية من النوع الشائع في الريف المصري لتعبر عن الوحدة الإنسانية لفتيات وسيدات مصر وللمجتمع المصري عامة، وتعطي تصور ما بعد حداثي يستطيع أن يمزج بين الشعبي والرفيع.

الصوت الغليظ العذب لـ "ممدوح قاسم" كان غريب وجميل ويعبر أيضًا عن أوبرالية ذاتية ربما يناجي بها المواطن المصري نفسه في بعض الأحيان، استحسنه المستمعون رغم غلاظته التي لم تكن مزعجة أبدًا بل غلاظة فنية. نمط الشاب السمين زائد الوزن والموجود بكثرة بين المصريين جعله فريق المصريين نجمًا في "تحسين يلمظ" و"منى عزيز" الشابة الأنيقة بهدوء خفيف الظل وصوت مُتفائل، ودلالًا بلا تدلل.

معظم الأغنيات المصرية تعبر بالأكثر عن حالات العشق والوجد والعاطفة والهيام وليس هذا غريبًا أو عيبًا لأنها عاطفة إنسانية ممتدة، وذائعة الشيوع... لكن في ذات الوقت ليست عاطفة الحب والعلاقات بين المحبين هي كل ما يشغل بال الناس في كل مراحلهم العمرية، فهناك الكثير من الموضوعات والأفكار الأخرى، كما أن العلاقة بين الرجل والمرأة نظريًا وعمليًا ليست مجرد علاقات عاطفية، ولكن بالطبع هناك علاقات إنسانية متبادلة في أماكن العمل، والمدارس، والجامعات، وبين الأقارب، والجيران عبرت عنها بصورة مرحة أغنية "ماتحسبوش يا بنات إن الجواز راحة"، نصيحة مخلصة وأمينة من عالم الرجال للفتيات.

جاءت الأغنية معبرة بطريقة غير نمطية عن الواقع الفعلي لأحاديث المصريين اليومية المليئة بالموضوعات الإنسانية غير مشاعر الحب المتبادلة، وبطريقة أداء إيمان يونس الغير مألوفة واللافتة للنظر والجميلة، وعن حالة الأنثى المصرية المتأقلمة مع واقعها الذكوري من أجل أن تسير عجلة الحياة.

"ماشية السنيورة" فتعبير السنيورة تعبير محبب، وراقي، ومتداول على ألسنة العامة وتعبر عن الإعجاب بفتيات المدينة.. عبر الفن بكثرة وافرة عن الإعجاب بذات الملاءة اللف أو بذات الجلباب، وكلتاهما جميلتان، ونمطان موجودان بالفعل ويستدعيان الإعجاب، وكثيراً ما كان يقتبسهما أهل المدينة للكناية عن جمال المصريات بوجه عام. لكن أن يُغنى للسنيورة بنت المدينة فهو أمر جديد وجميل، كما أن المصرية السنيورة تعبر عن نفسها للمرة الأولى في الأغنية بصورة موضوعية ومتواضعة، وترى أن جمالها الذي يسترعي حسد الآخرين لا يستدعي كل تلك الضجة من وجهة نظرها.

الحس الفني العبقري ألهم هاني شنودة في اكتشاف النجمين الكبيرين "محمد منير"، و"عمرو دياب" اللذين يثريان الحياة الغنائية كلًا بطريقته الخاصة، ونقل إلينا بدون صورة الإحساس بزحام بعض الشوارع المصرية في أغنية النجم "أحمد عدوية" "زحمة يادنيا زحمة". ألحان هاني شنودة جعلت عذوبة ورقة القديرة "نجاة الصغيرة" تحلقان إلى عنان السماء في "أنا بعشق البحر" و"بحلم معاك".

جمل موسيقية هادئة وليست صاخبة، لكنها صحوة ويقظة وليست نائمة أو منغلقة، كرست للتجديد الفني، ووضعت حجر الأساس لجيل متطور من الموسيقى العربية ببصمات مصرية. وكلمات أغانٍ لصلاح جاهين، وعمر بطيشة، وعبد الرحيم منصور تجيد قراءة واقع المصريين بطريقة ذكية مع إيقاعات عصرية معبرة عن روح المصريين العميقة، والمليئة بالتفهم والتفاؤل.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز