الدكتورة سماء سليمان
ومن هذا المنظور، فإن تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 مثّل محاولة لبناء إطار مؤسسي لتنظيم التفاعلات العربية وتحقيق قدر من التنسيق، إلا أن تطور النظام العربي كشف عن فجوة بين وجود الإطار المؤسسي وبين قدرته الفعلية على إنتاج سياسات جماعية مؤثرة.
وتظهر مشكلة ضعف التنسيق العربي بصورة أكثر وضوحًا عند ربطها بمفهوم الأمن القومي. فالأمن القومي لم يعد يُفهم باعتباره مجرد قدرة الدولة على حماية حدودها بالقوة العسكرية، وإنما أصبح يرتبط بمجموعة واسعة من الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية.
وفي حالة النظام العربي، فإن الطبيعة المتداخلة للتهديدات تجعل من الصعب الفصل بصورة كاملة بين الأمن الوطني للدولة والأمن الإقليمي العربي؛ فالحروب والصراعات، وانتشار الجماعات المسلحة، وأمن الحدود، وأمن الطاقة والغذاء والمياه، والتدخلات الخارجية، كلها قضايا تتجاوز في آثارها حدود الدولة الواحدة.
ومن هنا تظهر المفارقة الأساسية في النظام العربي، فالدول العربية تواجه في كثير من الأحيان تهديدات مشتركة أو مترابطة، لكنها لا تمتلك بالقدر الكافي آليات مشتركة لإدارة هذه التهديدات.
ويعود ذلك إلى اختلاف تعريف كل دولة لمصالحها وأولوياتها الأمنية، وإلى تفاوت إدراكها لمصادر التهديد، فضلًا عن اختلاف علاقاتها بالقوى الإقليمية والدولية.
ووفقًا لمنظور الأمن الإقليمي، فإن هذا التباين يضعف إمكانية بناء تصور عربي مشترك للأمن، ويجعل النظام العربي أكثر قابلية للاختراق والتأثر بالفاعلين الخارجيين.
كما أن ضعف التنسيق لا يمكن تفسيره فقط بالخلافات السياسية بين الدول العربية، وإنما ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة لطبيعة النظام العربي ذاته.
فالنظام الإقليمي لا يصبح فاعلًا بمجرد وجود مجموعة من الدول أو مؤسسة إقليمية، وإنما يحتاج إلى نمط مستمر من التفاعلات، وإلى قدر من التوافق حول القواعد والمصالح، وإلى مؤسسات تستطيع تحويل التوافق السياسي إلى سياسات قابلة للتنفيذ، ولذلك فإن المشكلة لا تكمن في غياب مقومات القوة العربية، وإنما في ضعف القدرة على تحويل هذه المقومات إلى قوة جماعية.
ويؤدي هذا الوضع إلى نتيجة مهمة على مستوى النظام الدولي؛ فعندما تعجز الدول العربية عن تنسيق مواقفها، فإن تأثير كل دولة منفردة يصبح هو الغالب على حساب الموقف الإقليمي الجماعي.
وبذلك يتحول النظام العربي في بعض الحالات من فاعل قادر على صياغة بيئته الإقليمية إلى ساحة تتنافس فيها القوى الإقليمية والدولية، وهو ما يحد من قدرته على إنتاج مبادرات مستقلة ويزيد من اعتماد بعض أطرافه على القوى الخارجية في معالجة أزماته الأمنية.
ولا يعني الخروج من هذه الإشكالية السعي إلى إلغاء سيادة الدول العربية أو فرض وحدة سياسية عليها، فهذا أمر غير واقعي في ظل اختلاف ظروفها ومصالحها، وإنما يتمثل الحل في الانتقال من فكرة "الوحدة الكاملة" إلى مفهوم أكثر واقعية يقوم على الأمن التعاوني العربي؛ أي بناء حد أدنى من التوافق حول التهديدات المشتركة والمصالح الأساسية، وإنشاء آليات فعالة للإنذار المبكر وإدارة الأزمات والتنسيق الدبلوماسي والأمني، مع احترام الخصوصية الوطنية لكل دولة.
كما يتطلب ذلك إعادة تعريف الأمن القومي العربي بحيث لا يكون مجرد شعار سياسي، وإنما إطارًا عمليًا يحدد المصالح الحيوية المشتركة للدول العربية.
ويمكن أن يشمل ذلك حماية الدول من الصراعات الممتدة عبر الحدود، وتعزيز أمن الطاقة والغذاء والمياه، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية الممرات والمصالح البحرية، وتعزيز القدرة على مواجهة التدخلات الخارجية.
وعند بناء مثل هذا التصور، يصبح الأمن الوطني للدولة جزءًا من منظومة أمن إقليمي أوسع، بدلًا من أن يكون في بعض الأحيان منفصلًا أو متعارضًا معها.
ومن ثم، فإن معالجة ضعف التنسيق العربي تتطلب تطوير المؤسسات القائمة لتصبح أكثر قدرة على التنفيذ، وتطوير آليات لاتخاذ القرارات الجماعية، وربط التعاون السياسي بالتعاون الاقتصادي والأمني، وإيجاد آليات لتسوية الخلافات العربية قبل تحولها إلى أزمات مزمنة.
والأهم هو أن يتحول التنسيق من رد فعل مؤقت على الأزمات إلى عملية مؤسسية مستمرة، فإذا نجح النظام العربي في بناء هذا الحد الأدنى من التوافق الأمني والسياسي، فإنه يستطيع الانتقال تدريجيًا من نظام إقليمي محدود الفاعلية إلى نظام أكثر قدرة على إدارة بيئته والتأثير في محيطه الإقليمي والدولي.
وبذلك فإن إشكالية النظام العربي ليست في افتقاره إلى عناصر القوة، وإنما في ضعف تحويل القوة المتاحة إلى قدرة جماعية، والخروج من الأزمة لا يبدأ بإلغاء الاختلافات، وإنما بإدارتها، وبناء قواعد للتعاون رغم استمرارها، وهذه هي النقطة الأساسية التي تجعل من تعزيز الأمن التعاوني والتنسيق المؤسسي مدخلًا لإعادة بناء فاعلية النظام الإقليمي العربي.