الدكتورة سماء سليمان
فالزيارة تأتي في لحظة تبدو فيها العلاقات الأمريكية الصينية أكثر هدوءًا مما كانت عليه قبل عام، لكنها ليست أكثر ثقة، وهذا هو التناقض الذي ينبغي أن نفهم من خلاله القمة كلها.
قد يكون التعبير الأدق لوصف اللحظة هو "هدنة بين قوتين"، لا سلامًا بينهما. فالهدنة هنا ليست اعترافًا بنهاية الصراع، وإنما اعتراف باستحالة حسمه بسهولة.
واشنطن لم تتخل عن تصورها للصين باعتبارها المنافس الاستراتيجي الأكبر، وبكين لم تتخل عن تصورها للولايات المتحدة باعتبارها القوة التي تسعى إلى إبطاء صعودها، لكن الطرفين اكتشفا أن الانتقال من المنافسة إلى المواجهة المفتوحة سيكون مكلفًا لهما معًا، وربما للعالم كله، ولذلك أصبح هدف الدولتين هو منع تحول المنافسة إلى حرب.
هذه النقطة تفسر لماذا تبدو الزيارة أكبر من نتائجها المحتملة. الباحث إدغارد كاغان في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يرى أن الزيارة تحمل قدرًا كبيرًا من الرمزية والمظاهر الاحتفالية، بينما قد يكون التقدم الموضوعي محدودًا، لكن الرمزية نفسها ليست بلا قيمة؛ فمجرد استمرار اللقاءات المباشرة بين الزعيمين يعني أن واشنطن وبكين تعتبران الاتصال على أعلى مستوى جزءًا من آلية الاستقرار.
ويبدو أن الطرفين، رغم انعدام الثقة، توصلا إلى استنتاج مشترك وهو أن العلاقة أصبحت خطيرة إلى درجة تجعل تركها بلا إدارة أكثر خطورة من إدارتها عبر القمم والاتصالات.
ومن واشنطن يمكن قراءة الزيارة باعتبارها محاولة للحصول على مكاسب محددة من الصين من دون التضحية بأدوات الضغط الأمريكية، تريد الإدارة الأمريكية استمرار تدفق المعادن الأرضية النادرة والمواد الحيوية، وزيادة مشتريات الصين من المنتجات الأمريكية، ولا سيما المنتجات الزراعية والطائرات، كما تريد تعاونًا أكبر بشأن قضايا مثل الفنتانيل وإيران.
وفي الوقت نفسه، لا تبدو واشنطن مستعدة للتخلي عن القيود التكنولوجية التي تعتبرها جزءًا من أمنها القومي، خصوصًا في مجال الرقائق المتقدمة والذكاء الاصطناعي، ولذلك فإن التهدئة التجارية لا تعني نهاية المنافسة التكنولوجية.
أما في بكين، فالصورة مختلفة قليلًا، الصين لا تبدو وكأنها ذاهبة إلى واشنطن بحثًا عن "صفقة نهائية" مع ترامب، بل إلى تثبيت علاقة يمكن إدارتها، الباحث رايان هاس في بروكينغز يرى أن بكين لا تتعامل مع المرحلة باعتبارها فرصة لتحقيق اختراق كبير مع ترامب، وإنما باعتبارها فرصة لكسب الوقت وتعزيز قدرتها الذاتية استعدادًا لمنافسة أمريكية طويلة، وهذا تفسير بالغ الأهمية؛ لأنه يعني أن التهدئة بالنسبة إلى الصين ليست نقيض المنافسة، بل إحدى وسائل إدارتها.
وهنا يظهر الاختلاف الجوهري بين التفكيرين. واشنطن تميل إلى النظر إلى التفاوض باعتباره وسيلة لاختبار قدرة الصين على تقديم تنازلات، بينما تنظر بكين إلى الاستقرار باعتباره وسيلة لتجنب الضغوط التي يمكن أن تعطل مسارها الطويل نحو تعزيز القوة الاقتصادية والتكنولوجية، ولذلك يمكن أن يجلس الطرفان إلى الطاولة ويتفقا على تمديد هدنة تجارية، بينما يواصل كل منهما في اليوم التالي بناء قدراته لمواجهة الآخر.
الاقتصاد هو المكان الذي تظهر فيه هذه المفارقة بوضوح. فالولايات المتحدة تمتلك الدولار والتكنولوجيا المتقدمة والسوق المالية العالمية، بينما تمتلك الصين قاعدة صناعية ضخمة وسلاسل توريد واسعة وهيمنة مهمة على المعادن الأرضية النادرة.
ولذلك لم يعد سلاح التعريفات الجمركية وحده كافيًا لفهم العلاقة، "المعادن، والرقائق، والبطاريات، والسيارات الكهربائية، والذكاء الاصطناعي" أصبحت جميعها أدوات في صراع القوة، وإذا اتفق الطرفان على خفض بعض الرسوم أو زيادة التجارة، فلن يعني ذلك أن المنافسة الاقتصادية انتهت، بل ربما يعني فقط أن الطرفين قررا فصل بعض جوانب التجارة عن الصراع الاستراتيجي الأوسع.
والذكاء الاصطناعي ربما يكون الساحة التي ستحدد شكل العلاقة في العقد المقبل. فواشنطن ترى التفوق في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة عنصرًا أساسيًا في قوتها المستقبلية، بينما تعمل الصين على تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الغربية وبناء قدراتها الخاصة، ولهذا فإن الحديث عن "قواعد" للذكاء الاصطناعي بين البلدين لا ينبغي أن يُفهم باعتباره تعاونًا تقنيًا واسعًا؛ فالمنافسة على من يمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا ستظل قائمة، حتى لو اتفق الطرفان على بعض إجراءات السلامة أو الاتصالات لمنع سوء الفهم.
لكن إذا كان هناك ملف يستطيع أن يحول الهدنة إلى أزمة، فهو تايوان، فكل ما يمكن التفاوض عليه في التجارة يمكن تعديله أو تأجيله، أما تايوان فمرتبطة في التفكير الصيني بجوهر السيادة الوطنية، ومرتبطة في التفكير الأمريكي بمصداقية الردع والتحالفات في آسيا، لذلك فإن أي تفاهم اقتصادي بين ترامب وشي لن يلغي التوتر حول الجزيرة، بل إن استمرار التهدئة الاقتصادية.
وهناك عامل آخر لا ينبغي إغفاله فكلا الزعيمين يعتقد، وفق تحليل كاغان، أن الزمن قد يعمل لصالح بلاده ، وفي واشنطن يوجد اعتقاد بأن استمرار التفوق الأمريكي في الذكاء الاصطناعي، إلى جانب بناء سلاسل توريد بديلة للمعادن الحيوية، يمكن أن يقلل من قدرة الصين على استخدام أوراقها الاقتصادية.
وفي بكين توجد رؤية مقابلة ترى أن الصين تواصل تعزيز قوتها الصناعية والتكنولوجية وأن الولايات المتحدة تواجه انقسامات وضغوطًا داخلية ودولية، إذا كان كل طرف يعتقد أن المستقبل سيمنحه وضعًا أفضل، فإن منطق المواجهة الشاملة يصبح أقل جاذبية مؤقتًا، لأن الطرفين يريدان شراء الوقت.
ومن هنا يمكن فهم أحد أهم أبعاد الزيارة أنها قمة لتحديد كيفية استمرار الخلاف من دون انفجاره، وهذا ربما يفسر لماذا يرى بعض المحللين أن سقف التوقعات ينبغي أن يكون متواضعًا.
سكوت كينيدي من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية يرى أن أهمية القمة لا تتناسب بالضرورة مع حجم النتائج التي يمكن أن تنتج عنها؛ فالقوتان لديهما مصلحة في إبقاء العلاقة هادئة، لكنهما لا تملكان حاليًا تصورًا مشتركًا لنظام دولي جديد.
والأهم أن العالم الثالث يراقب هذه الهدنة بقلق أيضًا، دول آسيا لا تريد حربًا بين الولايات المتحدة والصين، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن تتحول تفاهماتهما الثنائية إلى نظام تتخذ فيه واشنطن وبكين قرارات تخص مستقبل المنطقة من دون الآخرين.
اليابان والهند وكوريا الجنوبية ودول جنوب شرق آسيا تتابع ما سيحدث في التجارة والتكنولوجيا وتايوان، لأن أي تغير كبير في العلاقة الأمريكية الصينية سيعيد ترتيب حساباتها الاستراتيجية والاقتصادية.
يمكن اعتبار زيارة شي إلى واشنطن لحظة تأسيسية، ليس لأنها أنهت الخلاف، وإنما لأنها كرست فكرة أن الولايات المتحدة والصين ستظلان قوتين متنافستين لفترة 1طويلة، وأن إدارة هذا التنافس أصبحت مصلحة مشتركة لهما، أما إذا كانت الهدنة مجرد توقف مؤقت لإعادة ترتيب الأوراق، فإن الملفات المؤجلة ــ تايوان، والذكاء الاصطناعي، والرقائق، والمعادن النادرة، والنفوذ العالمي ــ ستعود عاجلًا أم آجلًا إلى الواجهة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى قد تكون قوة هذه الزيارة في أنها لم تحاول إنهاء المنافسة الأمريكية الصينية، ربما يكون الإنجاز الحقيقي هو أن القوتين وجدتا، ولو مؤقتًا، طريقة للتنافس دون أن تدفعهما المنافسة إلى الصدام، وإذا صح ذلك، فإن العالم لا يشهد ولادة صداقة بين واشنطن وبكين، بل ولادة شيء أكثر واقعية وأشد تعقيدًا: هدنة بين قوتين تعرف كل منهما أن الأخرى لن تختفي.