الدكتورة سماء سليمان
أستطيع القول أن القوة الدولية في المرحلة المقبلة لن تقاس فقط بالقدرة على خوض الحروب، وإنما كذلك بالقدرة على إنهائها وصياغة التسويات السياسية التي تليها، فالحرب قد تحسم بعض الوقائع على الأرض، لكنها لا تنتج بالضرورة نظامًا مستقرًا.
أما التسوية السياسية فتحدد ترتيبات الأمن، وشكل العلاقات بين الخصوم، ومستقبل المناطق المتنازع عليها، وأدوار القوى الإقليمية والدولية، ومن ثم فإنها تصبح جزءًا من عملية إعادة تشكيل النظام الدولي.
لقد ارتبط مفهوم القوة الكبرى تاريخيًا بامتلاك مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والسياسية، ولا تزال هذه العناصر تمثل أساسًا للقوة الدولية، إلا أن تطورات القرن الحادي والعشرين أضافت أبعادًا جديدة، في مقدمتها القدرة على إدارة الأزمات المعقدة، وبناء التحالفات، والوساطة بين الخصوم، وتوفير الضمانات، وحشد الموارد لإعادة الإعمار، وتحويل الصراع العسكري إلى ترتيبات سياسية قابلة للاستمرار.
وهذا التحول لا يعني تراجع أهمية القوة الصلبة، وإنما يعني تغير طريقة توظيفها، فالقوة العسكرية تمنح الدولة الردع وأوراق الضغط، والقوة الاقتصادية توفر أدوات الحوافز والعقوبات، والتكنولوجيا تمنح التفوق الاستراتيجي، لكن الدبلوماسية هي التي تستطيع تحويل هذه الموارد إلى اتفاقات وترتيبات سياسية.
ومن ثم تصبح قدرة الدولة على إدارة القوة وتحويلها إلى نتائج سياسية عنصرًا أساسيًا من عناصر النفوذ الدولي.
ويؤكد التاريخ هذه العلاقة بين نتائج الحروب والتسويات وبين إعادة تشكيل النظام الدولي، فقد كان مؤتمر فيينا 1815 محاولة لبناء توازن أوروبي جديد بعد الحروب النابليونية، كما أنتجت تسوية فرساي بعد الحرب العالمية الأولى نظامًا دوليًا جديدًا لم يتمكن من تحقيق الاستقرار طويلًا، وبعد الحرب العالمية الثانية، لم تقتصر إعادة صياغة العالم على الانتصار العسكري، بل ارتبطت بإنشاء الأمم المتحدة ونظام بريتون وودز وإعادة بناء أوروبا واليابان، ثم تشكل نظام الحرب الباردة حول قوتين عظميين.
وبذلك يمكن القول إن الحروب تُحسم بدرجات مختلفة في ميادين القتال، لكن الأنظمة الدولية تُبنى من خلال التسويات السياسية التي تعقبها.
وتُقدم حرب غزة نموذجًا واضحًا لهذه الحقيقة، فوقف إطلاق النار يمثل خطوة ضرورية، لكنه لا يشكل بمفرده تسوية سياسية شاملة، فاستقرار الوضع في غزة يرتبط بقضايا الإدارة والأمن وإعادة الإعمار، ومستقبل الفصائل الفلسطينية، والعلاقة مع إسرائيل، وموقع السلطة الفلسطينية، ومستقبل القضية الفلسطينية ضمن النظام الإقليمي. وبالتالي فإن القوى القادرة على التأثير في هذه الملفات مجتمعة ستكون صاحبة دور مهم في إعادة تشكيل الشرق الأوسط.
وتحمل الحرب «الروسية ـ الأوكرانية» الأبعاد نفسها، إذ تتجاوز آثارها حدود الأراضي المتنازع عليها لتصل إلى مستقبل الأمن الأوروبي والعلاقة بين روسيا وحلف الناتو، والضمانات الأمنية لأوكرانيا، ومستقبل العقوبات والطاقة وإعادة الإعمار.
ومن ثم فإن التسوية التي يمكن أن تنهي الحرب أو تنظم آثارها ستكون جزءًا من إعادة صياغة الأمن الأوروبي والعلاقة بين القوى الكبرى.
أما الحرب مع إيران، فترتبط بمجموعة واسعة من القضايا تشمل الملف النووي، وأمن الخليج، والعلاقة مع إسرائيل، والنفوذ الإقليمي، والممرات البحرية، والطاقة. ولذلك فإن أي تسوية شاملة لن تكون مجرد اتفاق حول قضية محددة، وإنما يمكن أن تصبح إطارًا جديدًا للأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، بمشاركة القوى الدولية والإقليمية الرئيسية.
وفي آسيا، يمثل التنافس حول تايوان أحد أكثر ملفات النظام الدولي حساسية. فالقضية ترتبط بالعلاقة بين الولايات المتحدة والصين، وبأمن شرق آسيا، والتجارة العالمية، والرقائق الإلكترونية وسلاسل الإمداد، وبالتالي فإن القدرة على إدارة هذا التنافس ومنع تحوله إلى صراع واسع ستكون من أهم عناصر التأثير في مستقبل النظام الآسيوي والعالمي.
وقد قدم مفكرون كبار في العلاقات الدولية، مثل هانز مورغنثاو وكينيث والتز وهيدلي بول وهنري كيسنجر، إسهامات مهمة في فهم العلاقة بين القوة والتوازن والتسوية والمؤسسات. وتكشف تجربة كيسنجر الدبلوماسية، خصوصًا الانفتاح الأمريكي على الصين وسياسة الانفراج مع الاتحاد السوفيتي، أن القوى الكبرى لا تستخدم قدراتها لتحقيق التفوق فقط، وإنما تستطيع استخدامها لإنتاج ترتيبات سياسية جديدة تخدم مصالحها وتعيد تنظيم علاقاتها بالخصوم.
وفي الوقت نفسه، تتسع مصادر القوة في النظام الدولي المعاصر. فالذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والمعادن النادرة، والبيانات، والأمن السيبراني، والطاقة، وسلاسل الإمداد، أصبحت جميعها عناصر استراتيجية. وتمتلك الدول التي تسيطر على هذه الموارد والتقنيات أوراقًا مهمة في المنافسة الدولية. إلا أن امتلاك أدوات القوة لا يعني تلقائيًا القدرة على تحويلها إلى نفوذ سياسي؛ إذ يتطلب الأمر قدرة على توظيفها ضمن استراتيجية متكاملة تجمع بين الضغط والتفاوض والتحالفات والحوافز.
ومن هنا يبرز مفهوم القوة المركبة التي تجمع القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية مع الدبلوماسية والوساطة والتحالفات وإعادة الإعمار وبناء المؤسسات. وقد تصبح القدرة على صناعة التسويات وإدارة مرحلة ما بعد الحرب أحد أهم مصادر القوة في النظام الدولي الجديد.
ومن المرجح أن يصبح النظام العالمي أكثر تعقيدًا، بحيث لا يمكن اختزاله بسهولة في نموذج أحادي أو ثنائي أو متعدد الأقطاب بالمعنى التقليدي. فقد تتوزع مصادر القوة بين مراكز متعددة، تمتلك الولايات المتحدة فيها قدرات عسكرية ومالية وتكنولوجية واسعة، بينما تمتلك الصين ثقلًا صناعيًا وتجاريًا وتكنولوجيًا متزايدًا، وتحافظ روسيا على قدرات عسكرية ونووية وطاقة كبيرة، وتواصل الهند صعودها كقوة سكانية واقتصادية وتكنولوجية، في حين تكتسب قوى إقليمية أخرى أهمية متزايدة من خلال الطاقة ورأس المال والوساطة والدبلوماسية.
وبذلك قد ينتقل العالم تدريجيًا من مفهوم تعدد الأقطاب التقليدي إلى تعدد مراكز القوة والتسوية، حيث يختلف وزن الدولة من قضية إلى أخرى وفق قدرتها على التأثير وإدارة الأزمات.
وفي هذا التحول تصبح القدرة على إنهاء الحروب وإعادة بناء المناطق المتضررة وضمان تنفيذ الاتفاقات ومنع عودة الصراع مصدرًا بالغ الأهمية للنفوذ. فالدولة التي تستطيع تحويل قوتها العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية إلى تسوية سياسية قابلة للاستمرار، لا تدير أزمة محددة فحسب، وإنما تساهم في تحديد قواعد المرحلة الدولية التالية.
إن القرن الحادي والعشرين يعيد بذلك تعريف القوة الكبرى. فلم يعد التفوق مرتبطًا فقط بحجم الجيوش والاقتصادات، وإنما بالقدرة على إدارة القوة وتحويلها إلى ترتيبات سياسية مستقرة.
فالجيوش تستطيع تغيير خرائط الحرب، والاقتصادات تستطيع فرض الكلفة، والتكنولوجيا تستطيع صناعة التفوق، لكن التسويات السياسية هي التي تستطيع تحويل نتائج الصراع إلى نظام جديد.
ومن ينجح في صياغة التسويات الكبرى للحروب الراهنة والمحتملة، سيكون له دور أساسي في تحديد شكل النظام الدولي القادم، وفي رسم حدود النفوذ والتحالفات والتوازنات التي ستحدد ملامح العالم خلال المرحلة المقبلة.