جمال رائف
صفقة المازوت بين أمريكا وروسيا تأتي بعد أن فشلت صفقة المعادن بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، ولأن ترامب يؤمن بكون الصفقات وحدها هي القادرة على تغيير مجريات الصراع الدولي، فذهب لعقد تلك الصفقة التي تُربك بالفعل المشهد الدولي، أو بالأحرى الأطراف المنخرطة بشكل مباشر أو غير مباشر في الصراعات الدولية، ولاسيما ان تلك الصفقة ستتيح مساحة مناورة للإدارة الأمريكي في بعض نقاط الصراع الدولي.
الموقف الأوكراني
يواجه زيلينسكي أصعب المواقف على الإطلاق منذ بداية هذه الحرب، فهو بات غير مرحّب بوجوده أمريكياً، وهذا يتضح عبر تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة. وفي الوقت نفسه، قُيدت حركته بشأن الهجمات على المصالح النفطية الروسية لما تشكله الآن من أهمية للاقتصاد الأمريكي، ما يضع الرئيس الأوكراني أمام خيارات محدودة، تتلخص إما في الرحيل وترك الساحة لشخص آخر يستطيع أن يعقد صفقة رابحة مع الرئيس الأمريكي، أو أن يكمل الطريق، ولكن هل ستكمل أوروبا معه المشوار وتعاند واشنطن؟!
الحيرة الأوروبية
يضع ترامب عبر صفقة المازوت حداً لاستهداف مصافي النفط الروسية، حيث ترتبط المصالح الاقتصادية الأمريكية الآن بسلامة البنية التحتية النفطية لروسيا، وبالتالي فإن استهداف أوكرانيا للمصافي النفطية يعرّضها للغضب الأمريكي، فهل سيستمر الدعم الأوروبي لزيلينسكي الذي يكثف هجماته في هذا الإطار؟ وهل سيضع الجانب الأوروبي نفسه في سلة واحدة مع زيلينسكي؟
السيناريو الأرجح أن تتراجع أوروبا خطوات إلى الخلف في هذا الملف، ليس فقط خوفاً من غضب ترامب، ولكن لأن الشتاء ينذر بأزمة طاقة، وتوفير المحروقات الروسية عبر الوسيط الأمريكي يعد حلاً جيداً دون الحاجة لرفع العقوبات عن روسيا أو التخلي الكامل عن أوكرانيا، ولكن هل يمارس ترامب المزيد من الضغط على الجانب الأوروبي في المقابل بما يدعم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية؟! هذا بالتأكيد سيحدث، وحينها سيتضح الموقف الأوروبي، إما استقلالية القرار الخارجي أو الانضواء تحت المظلة الأمريكية.
صراع الشرق الأوسط
تدير الإدارة الأمريكية تحركاتها على خريطة الصراع الدولي بشكل متكامل، بمعنى أن صفقة المازوت تُحيّد روسيا تماماً بشأن الحرب مع إيران وتخفض الروح المعنوية لدي الداخل الإيراني، فترامب لم يُعطِ بوتين تلك المكاسب على طبق من ذهب دون مقابل، بل بالعكس، فروسيا التي يُفترض أنها حليف لإيران أصبحت الآن توفر بديلاً طاقياً يعوض النقص في المعروض، ومن ثم يقلل من ورقة مضيق هرمز التي تستخدمها طهران للضغط على الاقتصاد الدولي.
فهنا ترامب لم يُحيّد روسيا ويحدث حالة انعدام ثقة بين موسكو وطهران فحسب، بل جعل موسكو تضغط على طهران بشكل غير مباشر عبر إبطال فاعلية الضغط الإيراني على أسواق الطاقة، وهو الأمر الذي إذا نجح كما يخطط ترامب، سيضع إيران في موقف صعب للغاية وربما يجبرها على التفاوض.
أفشل زيلينسكي صفقة المعادن، فأوجد ترامب صفقة المازوت مع روسيا لتصبح الطاقة والمعادن أسلحة دمار شامل تحقق ما لم يحققه السلاح، فنحن بصدد سلاح مبتكر في تلك الصراعات العالمية الجديدة، سلاح يُسمى صفقة ترامب، والذي بات يغيّر شكل معادلات الحروب ويعيد ترتيب الحسابات ارتباطاً بمبدأ المكسب والخسارة الاقتصادية.
وهو الأمر الذي يشكل خطورة، وفي الوقت نفسه صعوبة التحقق ببعض الصراعات، خاصة القضية الفلسطينية على سبيل المثال، فهي غير خاضعة لسلاح الصفقات، ولهذا يجب أن تدرك الإدارة الأمريكية أن نجاح صفقات في شرق أوروبا أو حتى في أمريكا الجنوبية لا يعني بالضرورة نجاحات مستقبلية في نقاط جغرافية أخرى، فلكل حالة خصوصيتها التي يجب أن تُراعى وسط حروب الصفقات التي تشتعل لتُغيّر خريطة الصراع الدولي.