البث المباشر الراديو 9090
حنان أبو الضياء
"الطيب الصالح" فى ذكرى ميلاده يخطو إلى ذاكرة محبيه كما كان يرى نفسه إنسانًا بسيطًا .. المتدينون يعتبرونه ماجنًا، والمعربدون يحسبونه متدينًا.

هو كشجيرات السيال فى صحارى السودان، سميكة اللحى، وحادة الأشواك، وتقهر الموت، ولكنها لا تُسرف فى الحياة.. حياته ما هى إلا لحظة تتحول فيها الأكاذيب أمام عينيه إلى حقائق، ويصير التاريخ قوادًا ويتحول المهرِّج إلى سلطان.

وهو من رأى أن المبدعين يعلّمون الناس لتفتيح أذهانهم، وإطلاق طاقاتهم المحبوسة ولكنهم لا يستطيعون التنبؤ بالنتيجة، فالحرية لديه تحرر العقول من الخرافات، وتعطى الشعب مفاتيح المستقبل ليتصرّف فيه كيف يشاء.. مشكلاته النفسية تكمن فى ارتباطه بعملية الكتابة فقط، لكونه يعشق الغرق فى ينبوعه الداخلى العميق عمق ذاته، وفى نفس الوقت يعد بمثابة منطقة الفوضى لديه، تلك الفوضى التى تؤكد أن كل شىء أصبح محتملاً، فكلما أوغل داخل نفسه باحثًا عن الضوء ازدادت الفوضى.

ثم تأتى فكرة، تستقر خلالها عملية الخلق فيتضح الطريق، وقد يكون خطأ أو صحيحًا، المهم فى تلك اللحظة هو الضوء.. هو العاشق للسودان بكل ما فيه، ولذلك قال: "لوكنت أرغب فى تبديل وطنى بوطن آخر لما احتفظت بجواز سفرى السودانى طيلة هذه الفترة".

هو من كان يرى أنه لا عيب أن يكون لك فى عمرك عمل واحد فقط.. ولكنّه متميّز، وأخذ حقه من الحياة عنوة. وفى الوقت ذاته، أعطى بسخاء. فاض الحب من قلبه فأثمر إبداعًا.. آمن أن هناك آفاقًا كثيرة لابد أن تُزار، وثمار يجب أن تُقطف، وكُتب كثيرة يجب أن تُقرأ، وصفحات بيضاء فى سجل العمر يجب أن تُكتب فيها جملًا واضحة بخط جرىء.

هو القادم إلينا فى "موسم الهجرة إلى الشمال" بأنشودة لقاء الثقافات، وتفاعلها وصورة الآخر الغربى بعيون الشرقى، والغربى بعيون الآخر الشرقى الذى ينظر إليه كشخص قادم من عالم رومانسى يسوده السحر، ويكتنفه الغموض، فبطله السودانى الدارس فى العاصمة البريطانية لندن. يضيف هناك إلى جانب تميزه وذكائه العقلى وتحصيله الجامعى العالى رصيدًا كبيرًا فى إثبات فحولته مع نساء بريطانيا الذين احتلوا بلاده.

وفى عرس الزين، نجده متأثّرًا بالتراث الإسلامى والسودانى، لينقلنا إليه من خلال زين المغفَّل غريب الأطوار المحبوب من الجميع على الرغم من منظره المخيف.. نعيش معه حياته البسيطة المليئة بالضحك والفكاهة والجنون.. إنه الطيب كالقديس المرشد وسط الغيام ..الصالح كعود مستقيم من شجرة باثقة جذورها فى الأرض وفروعها فى السماء.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز