حنان أبو الضياء
أظهر ذلك كتاب Careless People: A Cautionary Tale of Power, Greed, and Lost Idealism، "أناس مهملون: قصة المكان الذي كنت أعمل فيه"، لسارة وين-ويليامز.
يقدم الكتاب الحياة الحقيقية في مؤسسة مارك زوكربيرج، ذات الطائفة الشيطانية القادرة على تحقيق الربح على حساب الفئات الأكثر ضعفًا في العالم؛ وهذه الأمور المروعة ليست مفاجئة، فنحن نتوقع مثل هذا الانحطاط الأخلاقي من الشركات الكبرى هذه الأيام، يدّعون أنها مجرد أعمال تجارية، ونحن نقع ضحية لهذا الوهم.
وترجع أهمية الكتاب إلى أن المؤلفة، سارة وين-ويليامز، هي مديرة تنفيذية سابقة في "فيسبوك"، عملت في مجال السياسات العالمية والعلاقات الحكومية، وهي محامية ودبلوماسية من مواليد نيوزيلندا، عملت في الشركة من عام 2011 حتى أُنهيت خدماتها في عام 2017.
يتناول الكتاب كيف سهّل موقع "فيسبوك" للمجلس العسكري الحاكم في ميانمار نشر خطاب كراهية يهدف إلى التحريض على العنف الجنسي والترويج للإبادة الجماعية ضد الروهينجيا.
كما أن شركة "ميتا" حددت هوية الفتيات المراهقات اللواتي حذفن صورهن الشخصية من "فيسبوك" و"إنستجرام" و"واتساب"، وأرسلت بياناتهن إلى شركات استخدمت هذه البيانات لاستهداف الفتيات بإعلانات منتجات التجميل.
"وين-ويليامز" في مذكراتها المكونة من 400 صفحة، والتي توثق سنواتها السبع في فيسبوك منذ عام 2011، أظهرت كيف تحولت الشبكة من شبكة اجتماعية متخصصة إلى قوة عالمية قادرة على التأثير في الانتخابات؟، واستهداف المراهقين الذين يتعرضون للتنمر بسبب أجسادهم بمنتجات التجميل، وتحقيق الربح من بيانات ملايين البشر الخاصة حتى ذلك الحين.
إن "الأداة" التي تتحدث عنها وين-ويليامز ليست "فيسبوك" بحد ذاته، بل تطبيق internet.org الذي يعتز به زوكربيرج، والذي يعمل تحت اسم Free Basics منذ عام 2015، والذي صُمم لتوفير الإنترنت للدول المحرومة من الاتصال، مثل ميانمار، كجزء مما يبدو وكأنه ترقية لنظام المهمة الإمبراطورية البريطانية المتناقضة لتحضير السود والملونين.
ما ينطوي عليه مشروع internet.org بالنسبة إلى الدول التي تتبناه هو احتكار من قِبل "فيسبوك" للوصول إلى الإنترنت، حيث يتطلب الاتصال بالإنترنت تسجيل الدخول إلى حساب "فيسبوك"، وعندما تتضح الأمور لوين-ويليامز، تدرك أنه لا توجد أي قيمة أخلاقية في مبادرة زوكربيرج، ولا أي تمكين لأكثر مواطني العالم حرمانًا، بل إن أداته لا تعدو كونها "تقديم نسخة رديئة من الإنترنت لثلثي سكان العالم".
وبالنسبة إلى وين-ويليامز، فإن فلسفة زوكربيرج "التحرك بسرعة وتدمير الأشياء"، ليست سوى هذا الإهمال المتغطرس، تاركًا موظفي "فيسبوك" وعملاءه ينظفون الحطام، لكن "فيسبوك" الذي تصفه لا يُدار من قِبل أشخاص مهملين، بل من قِبل أشخاص عديمي الأخلاق عن قصد، يستغلون عبقريتهم التقنية وفطنتهم التجارية للتربح من ضعف البشر.
وتصور زوكربيرج كشخصية هنري الثامن في عالم التكنولوجيا؛ طفل سريع الغضب، كان حاشيته يسمحون له بالفوز في لعبة "مستوطنو كاتان" أثناء رحلاته على متن طائرته الخاصة.
وتشير وين-ويليامز إلى أن "فيسبوك" غيّرت اسمها إلى "ميتا" في عام 2021، لكن الطبيعة لا تتغير، فجوهر الشركة يبقى كما هو، وكلما ازداد نفوذها، قلت مسؤوليتها.
وتقترح في نهاية الكتاب أن ثقافة عدم المسؤولية والإهمال هذه يجب أن تقلقنا أكثر من أي وقت مضى، إذ إن "ميتا" زوكربيرج في طليعة الذكاء الاصطناعي، وهي تقنية أكثر خطورة من تلك التي تخيلها في سكنه الجامعي بجامعة هارفارد قبل عقدين من الزمن.