الكاتبة الدكتورة عزة كامل
الرعشة تضرب جسدها، تشتد، تبحث عن ملامحها وسط البرودة، المرارة والملوحة تطوق حلقها، تسمع صوت الأبواق والأجراس تقرع بصخب، يطوقها اللون الأسود، وينشر فحيحه بين الغمام البيضاء. الموت الذى ينتشر فى المكان ينشر رذاذه، السراب يخاتلها وهو يتراقص بين ظلال الدخان. ترى نفسها تركض وتستمر فى الركض، والعاصفة الثلجية تطوقها وتلقى بها فى دوامة تكاد أن تبتلعها.
الأسئلة تتزاحم فى رأسها، تنشر فحيحها، تُرى هل حاول أن يصرخ؟، هل تألم؟، هل امتلأت رئتيه بالماء؟، هل استطاع أن يشعل النار؟ هل استوحش الصمت؟، ما الذى طاف أمام عينيه قبل أن يتوقف قلبه، ويجابه قدره وحيدا؟
رفعت صورته أمام عينيها وأخذت تحدثه، ليتك تعرف مدى العزلة والرغبة فى الموت، سنة كاملة مرت ولم أتآلف مع الموت، فقط ظلام وبرودة، صرت منذ ذلك اليوم عارية تمامًا، ومحاطة بثلوج كثيفة، الرعشة لا تفارق جسدى، محاصرة بين جدران باردة، كففت عن أن أبحث عن المعنى الضائع للحياة، ولكن الموت لا يأتى، ولا يرحل، يتلاعب بى.
آخر كلماتك تطن فى أذنى: "فلنهرب إلى الطبيعة، جبل الدنيا، وحنبقى قد الدنيا".
جذبتك الطبيعة الساحرة وأغواك الجبل، وانتشيت وأنت تسمع صدى الصوت يتردد فى المساحات الواسعة، وأغرتك متعة صناعة أشكال الثلج وأنت تتقاذفها مع رفقائك فى الرحلة.
ست ساعات كاملة كانت تفصلك عن قمة الجبل، خانتك الطبيعة وخانك الجبل، وفى غفلة منك وأنت تلتقط الصور، اسودت الدنيا وهجم الظلام وتهت وسط الإعصار، وابتعدت عن رفقاء الرحلة، عثروا عليك بعد ثلاثة أيام، وأنت ترقد بسلام وبيدك الكاميرأعلى قمة "جبل الدنيا".
الجبل الذى أنهيت تغريداتك به، وأنهى هو حياتك، هل هذه الدنيا التى كنت تحلم بها؟!، هل هذا الذى كنت تريده أن تترك قلبًا محزونًا يفيض ألمًا ومرارة ويغمغم فى انكسار الفراغ، والمسافات البعيدة، رحلت وبقى المكلوم وحده يوقد فحم القلب فى الليالى الباردة.