مؤمن المحمدى
أفلام عظيمة شفناها بـ الطريقة دى، زى "أنا لا أكذب ولكنى أتجمل"، "أنا وأنت وساعات السفر"، "فوزية البرجوازية"، و"محاكمة على بابا".
فيلم "محاكمة على بابا" بقى من الأفلام البديعة اللى ساهمت كتير فى طريقة تفكير الواحد.
راجل ومراته منفصلين (يحيى الفخرانى وإسعاد يونس).
عندهم تلات أطفال، كل طفل عنده مشكلة ضخمة.
عاطف بشاى كتب سيناريو ذكى جدا، عالج بيه رواية أحمد رجب اللى هى مقالات خفيفة الدم (من وجهة نظر ناس كتير وقتها مكنتش منهم) وأقرب لـ الصحافة منها لـ الدراما، وفـ نفس الوقت تبقى مناسبة لـ ظروف الإنتاج.
إبراهيم الشقنقيرى عمل اللى عليه وزيادة من غير فذلكة ولا حوارات، ربنا يدى له الصحة وطولة العمر.
من خلال مشاكل الأسرة دى بـ نشوف كمية الإهمال المريعة اللى بـ نرتكبها وإحنا بـ ننقل لـ أطفالنا جيل بعد جيل مفاهيمنا وثقافتنا ونسقنا القيمى والأخلاقى.
طبعا فيه حاجات كتير فى الفيلم ممكن نشوفها النهارده، بعد 34 سنة من العرض الأول لـ الفيلم، ساذجة وسطحية، لكن فيه حاجات أكتر ما حلينهاش لـ حد دلوقتي، وشكلنا ما عندناش نية قوى لـ حلها. أهم الحاجات دى هى مشكلة محاكمة على بابا نفسها.
الولد الصغير (طارق يحيى الفخرانى) يسمع من الميس بتاعته (نادية عزت) حكاية على بابا، فـ يتعلم إن السرقة مش عيب ولا حرام، بـ دليل إن على بابا، الراجل الطيب، سرق الفلوس، واتجوز مرجانة، وعاش زى الفل. فـ يبدأ الطفل يسرق الفلوس من جيب أخوه.
المشكلة دى هى مشكلتنا مع تراثنا وفننا.
إزاى نحافظ على التراث، من غير ما يأثر بـ السلب على النسق القيمى اللى إحنا عايزين ولادنا يتربوا عليه؟
طبعا الفيلم اختار الحل الأخلاقى، إننا نغير القصة لـ خدمة الهدف التربوى والتعليمى، ودا حل يشبه تهذيب ألف ليلة وليلة، وحذف البوس من الأفلام، وهكذا، ومع ذلك ما أقدرش ألوم صناع الفيلم، لأن مجرد طرح المشكلة كان مهم وقتها، بس مكنش ينفع غير الانحياز لـ الرسالة الأخلاقية علشان الفيلم يمر.
فيه مشهد معبر جدا، لما الفخرانى (بالمناسبة، كان اسم الشخصية اللى بيلعبها صلاح سليمان) راح لـ الميس عايز يقنعها إنها تغير النهاية بإن على بابا اتحاكم، أو إنه رجع الفلوس اللى سرقها، فردت عليه بـ نرفزة: يعنى أكدب؟!
ثم إصرارها على إنها تقول، وتخلى الولاد يرددوا وراها:
على بابا راجل طيب.
الحقيقة، الموضوع مش بسيط، لأنه مش بـ يتعلق هنا بـ حرية الإبداع، ولا الحفاظ على التراث، لكنه بـ يتعلق بـ فلسفة المنظومة التربوية والتعليمية بـ رمتها، وازاى نعلم ولادنا إن الفن والإبداع مش معمولين علشان نقلدهم، ما أعرفش دا يتعمل ازاى، لكن أعرف إنه موضوع مهم.
مش جايز يكون الفن نفسه هو الحل؟
جايز.
إنما المؤكد إن دا واحد من أخف الأعمال دما، الفخرانى وإسعاد كانوا حاجة فوق الوصف الصراحة.
إيييييه.
دونيا.