مروان يونس
عادة تكون تلك الكلمات هى بوصلة الأداء الحركى السياسى والاجتماعى والاقتصادى للدولة، بل تعبّر بوضوح عن ما يقتنع الرئيس وإدارته أنه من الأولويات لتلك المرحلة، ونظرًا لشمول الكلمة على رسائل متعددة، فلنحلل سويًا الكلمة بعيدًا عن التأييد العاطفى أو المعارضة العمياء، فكلاهما من الآفات التى تكون من نتائجها عرقلة مسيرة أى شعب سواء من خلال القلاقل المستمرة بسبب أو دون سبب أو لاتباع نظرية غض البصر السياسى عن أى إخفاقات أو أخطاء.
نجد أن أول أربعة أعوام من حكم الرئيس لم يكن الملف السياسى متصدرًا لأجندة أولويات الدولة، وأيضًا لم يكن متصدرًا لأجندة اهتمامات وأولويات الشعب نفسه.
فكما لم تتحرك الدولة أو الأغلبية البرلمانية فى محاولة تكوين كتلة سياسية منظمة متواصلة مع الجماهير ذات قواعد تنظيمية قوية مشتبكة مع الشعب فى كل ربوع الجمهورية، فأيضًا لم تتحرك القوى السياسية الدستورية من أحزاب سواء المنافسة أو المؤيدة لتقديم أجندة "حتى ولو فى بعض الملفات المتناثرة" يكون مفادها التعريف بالحزب أو التيار السياسى وقدراته وأفكاره أو حتى بغرض إظهار كوادرها و قدرتهم على تحمل المسؤولية.
انكب الجميع خلال الأربع سنوات الماضية على أجندة البناء، سواء للدولة أو المؤسسات وأجندة الأمن الاقتصادى والاجتماعى، وهما الملفان اللذان لا يمكن أن ننكر أولويتهما خلال الفترة السابقة، كما لا يمكن أن ننكر أيضًا تقديم الرئيس ومن معه وجبة دسمة من الإنجازات فى كلاهما.
الأحزاب والسياسيون والنخبة قد غابوا عن المشهد، تاركين مسؤولية المرحلة كاملة لإدارة السلطة التنفيذية، وقد كان مرآة لهذا الوضع تتابع عدد من وزارات التكنوقراط والذين كانوا بحق مناسبين لتنفيذ الخطة سابقًا، وزارات ربما قد غابت عنها الحرفة السياسية فى مخاطبة الجماهير، فحدث الانعزال الذى معه تراجع الشعب تدريجيًا من خانة الشريك إلى خانة متلقى الخدمة ومنتظر ثمار التنمية.
عزز انفصال الرأى العام عن تلك الشراكة انقطاع البث التجريبى عن البرلمان، رغم كونه الممثل الوحيد للحياة السياسية فى ظل غياب أى مجموعات سياسية منظمة عن العمل العام وأفول نجم كثير من نجوم الشباك للنخبة القديمة سواء كان بالإعلام أو الشارع.
مرت السنوات الأربع الأولى على خير وسط أداء مميز لا يمكن إنكاره داخليًا أو خارجيًا فقد مر الرئيس بمصر من منحنيات سياسية وتحديات وعرة راهنت قوى الشر أن مصر لن تمر منها.
ولكن لننظر لأنفسنا الآن كمواطنين ودولة ونحلل قدرتنا على مواجهة التحديات بالأربع سنوات المقبلة، هذه التحديات التى يجب أولاً أن نكون على يقين أنه لن يمكننا تخطيها إلا معًا، شعبًا وقيادة وساسة، كما لن يكون ممكنًا أن يعمل البعض منا فى الظل وينتظر البعض الآخر للنتائج.
التحديات السياسية، وفى ظل الدستور الحالى، تفرض علينا منعطفات بالغة الخطورة، دعونا نهمس فى أذن السلطة عن البعض منها..
المنعطف الأول.. البناء المؤسسى الإدارى ومنه دستورية الاتجاه للامركزية وضرورة اكتمال بناء هياكل الإدارة المحلية ومنه حتمية إجراء انتخابات المجالس الشعبية المحلية.. فكما للدولة ولمجلس النواب دور فى تقديم قانون إدارة محلية مناسب، فعلى الكتل السياسية إعادة بناء نفسها، ليس فى أروقة السلطة كمؤيدين مخلصين، ولكن فى أروقة ودروب الشوارع المصرية، وضرورة البحث عن القيادات الشعبية الطبيعية والحقيقية، وتكوين كتل تستطيع تقديم مشروعات متكاملة ومناسبة للشعب المصرى.
المنعطف الثانى.. انتخابات مجلس النواب المقبلة وهى التى قد تتشابه فى شكل التحدى مع المحليات، ولكن ستظل تحمل خطوة شديدة فى ظل استمرار العزوف للمصريين عن الشأن العام والاهتمام به.. فلا يمكن لمصر أن تظل أسيرة شكل عضو مجلس النواب الخدمى التقليدى، وهو الذى إن كان مناسبًا سابقًا فلن يكون كذلك مستقبلاً، فالسياسة يجب أن تعود للسياسيين، ومنه فعلى الأحزاب إعادة التكتل الحقيقى كما على الدولة أيضا تجهيز الملعب وقواعد اللعبة السياسية ومنه إعادة صياغة قانون ممارسة الحقوق السياسية.
أخيرًا.. كل منا عليه دور وكل أمام مسؤوليات، فكما على الدولة وأدواتها أن تبدأ وبجدية العمل كمنظم عام للحياة السياسية ورسم وتجهيز الملعب بعناية، فعلى الأحزاب إعادة النظر والتفكير، فالتحد القادم يتخطى بوضوح المؤتمرات البروتوكولية للأحزاب المتحدثة عن إمكانية التحالف فى كتل منظمة أو تصريحاتها الرنانة حول ضرورة التوحد والتأييد المخلص للرئيس، فالتحرك لن يرسم ملامح الأربع سنوات الثانية لحكم الرئيس، ولكن سيرسم ملامح مستقبل أمة بالكامل.
ليت قومى يعلمون