الدكتور أشرف الصباغ
هذا التصريح المهم يأتى بعد تصريح مماثل أدلى به الرئيس الروسى، فلاديمير بوتين، فى 18 أكتوبر خلال كلمه فى منتدى "فالداى" فى سوشى.
من الواضح أن دمشق قلقة من توافقات موسكو وأنقرة فى إدلب، ويمكن القول إن طهران أكثر قلقًا من دمشق فى هذا الصدد، لأن غالبية الصيغ الجديدة تعمل على تهميش دور إيران أو تغييبها بشكل كامل، وعلى سبيل المثال فى المجموعة المصغرة التى تضم ألمانيا وفرنسا وروسيا وتركيا، أو حتى فى اتفاق إدلب نفسه بين الروس والأتراك.
وبذلك، يجرى توسيع المسافات بين طهران ودمشق، الأمر الذى يتوافق بدرجات ما مع رغبات وسيناريوهات الغرب، وبالذات الولايات المتحدة، هذا بعد أن نجحت روسيا بسلاسة شديدة فى إبعاد التشكيلات الإيرانية والمليشيات التابعة لها عن حدود إسرائيل.
وزير الخارجية السورى، وليد المعلم، أطلق تصريحًا محسوبًا بشكل جيد "أن الوضع فى إدلب يدل على عدم رغبة أنقرة فى تنفيذ التزاماتها"، ولكن الكرملين خرج بسرعة ليقول مؤكدًا: "لا.. نحن لا نلمس أى تهديد حتى الآن"، بل وذهب الناطق الرسمى باسم الكرملين، دميترى بيسكوف، إلى أن الرئيس الروسى لم يقل فقط خلال القمة الرباعية فى اسطنبول السبت الماضى، إن أنقرة تنفذ التزاماتها حول اتفاق إدلب، بل أشار إلى أن الوضع معقد جدًا هناك، حيث يستمر إطلاق النار من حين لآخر، لافتًا إلى أن الأمور لا تسير بشكل مثالى لدى الجانب التركى كما هو مقرر فى الخطة، لكن الأمر الرئيسى هو أن روسيا ترى حقا أن الجانب التركى يبذل جهودا للوفاء بجميع الاتفاقات القائمة".
من الواضح أن وزير الخارجية السورى وقف عند تصريحات بوتين فى سوتشى والتى قال فيها إن "الاتفاقات بين موسكو وأنقرة حول إقامة منطقة منزوعة السلاح هناك لم يتم تنفيذها بعد من قبل الجانب التركى"، وفى الوقت نفسه أعرب بوتين عن شكره لأنقرة على جهودها فى هذا الاتجاه، مشيرًا إلى أن الوضع فى إدلب شديد التعقيد، لكنه أكد أن العمل جار على إقامة المنطقة المنزوعة السلاح بعمق 15-20 كيلومترًا.
فى الحقيقة، لا أحد يعرف هل تنفذ تركيا التزاماتها فى إدلب أم لا، ولا أحد يعرف مدى غضب طهران ودمشق من اتفاق إدلب ومن الصيغ التى تشارك فيها روسيا بعيدا عن إيران، كما لا يعرف أحد ما هى خطط روسيا وسيناريوهاتها فى ما بعد اتفاق إدلب الذى تعتبره موسكو مجرد اتفاق مؤقت ولكن بدون سقف زمنى. أى أنه اتفاق متحرك وخاضع لتوافقات، ويحتمل وجود أطراف ثالثة ورابعة، بصرف النظر عن قبول أو رفض أنقرة.
وببساطة، فنجاح روسيا فى إدلب سيؤسس لأمر واقع جديد تنطلق منه موسكو فى سوريا، وستُحَوِّل الموقف لصالحها تمامًا، بعد أن تراجعت عن توجيه ضربات لهذه المحافظة أمام تهديدات غربية وأمريكية شديدة اللهجة، وضغوط تركية كادت تهدد بانهيار التحالف الروسى – التركى الهش أصلاً.
إن صمت الغرب عن إدلب، وفى إدلب، يعنى أن الوضع القائم يروق له، ولكن هل يروق لموسكو وطهران ودمشق، رغم أن الأخيرتين هما مجرد أوراق ضغط فقط بيد موسكو؟ والأخيرة لم تعد تتعجل تشكيل اللجنة الدستورية بعد أن أسكرتها نشوة الحراك فى أستانا وسوتشى، وراحت تطالب آنذاك بتشكيل تلك اللجنة على وجه السرعة.
الآن، تطالب روسيا بالتمهل وعدم العجلة فى تشكيل هذه اللجنة، معولة على "رزمة" معينة تشمل اللجنة والانتخابات وإعادة الإعمار وعودة اللاجئين، وهى الرزمة التى تمثِّل "مسامير جحا" لكل طرف من أطراف الأزمة، إضافة إلى تفاصيل مهمة، مثل مصير فصائل المعارضة فى إدلب، ومصير التنظيمات الإرهابية، ومصير الأكراد.
أما المهم، والذى ظهر بدون سابق إنذار، فهو مصير بشار الأسد الذى طرح خلال قمة (ميركل – ماكرون - بوتين – أردوغان) فى اسطنبول، بعد أن تنفست موسكو الصعداء وأعلنت عن نجاحها فى إبعاد موضوع مصير الأسد عن أى مناقشات أو لقاءات.
من الصعب تصور إنهاء أو حتى حلحلة الأزمة السورية بنهاية العام الحالى، بل الأقرب إلى الواقع أن فصلاً جديدًا فى هذه الأزمة سيبدأ برحيل المبعوث الأممى الخاص ستيفان دى ميسورا فى نوفمبر المقبل ومجيء بديل له.
أما حلحلة "وضع إدلب" لتحريك الأزمة السورية، فلن يتم إلا بتحرك عسكرى أو نقلة أمنية واسعة وعنيفة تسفر عن تحولات حقيقية يمكن الانطلاق منها إلى ما بعد إدلب.