الدكتور أشرف الصباغ
لقد حلَّت روسيا وإسرائيل مشكلة إسقاط المقاتلة الروسية فى سوريا بطريقتهما ولم تنشب بينهما أى احتكاكات أو حروب بينهما كما توقَّع البعض. حدثت جفوة بسيطة، وصدر بعض التصريحات الساخنة، وانتهى الأمر بمكالمات هاتفية، ولقاء عابر بين رئيس الوزراء الإسرائيلى والرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى قمة العشرين فى بيونس آيرس.
الآن يتصدر لبنان المشهد الشرق أوسطى على خلفية أزمة أنفاق "حزب الله". ومن الواضح أن لا إسرائيل تريد مواجهة مع الحزب، ولا الحزب يريد مواجهة مع إسرائيل، لأن الأمر ببساطة يتلخص فى أن لا أحدًا "من الكبار" يريد مواجهات إضافية فى المنطقة. ومن الواضح أن هذه الأزمة تتعلق بإيران بالدرجة الأولى، وبإصرار تل أبيب على الحضور الكامل فى الأزمة السورية.
هناك تقرير صادر عن "المعهد اليهودى للأمن القومى الأمريكى" (JINSA)، تحدَّث فى أكتوبر الماضى عن "الحرب الإسرائيلية المقبلة فى الشمال: التحديات التشغيلية والقانونية". وأكد القرير على أن قدرات حزب الله الصاروخية تتراوح بين 120 ألف و140 ألف صاروخ متوسط وقصير المدى. وقبل حرب 2006، كان لدى حزب الله حوالى 13 ألف صاروخ. وبالتالى، يرى معدو التقرير أن حزب الله قادر على إطلاق ما بين ألف وألف وخمسمائة صاروخ على إسرائيل فى اليوم. ولكن الخبراء الغربيين والروس يشكّون فى أن تكون لحزب الله مصلحة فى حرب قد تؤدى إلى تدمير ليس فقط بنيته التحتية، بل وجزء من لبنان. وذلك فى وقت يعانى فيه الحزب من صعوبات مالية بسبب سد بعض منافذ الدعم من إيران. وعلى الجانب الآخر، يؤكد الخبراء بأن إسرائيل سوف تتضرر كثيرا فى حال نشوب حرب مع حزب الله، وقد تختلط الأوراق كثيرا، لدرجة تضر بخطط وسيناريوهات روسيا نفسها فى المنطقة.
الكرملين أعلن أن من حق إسرائيل الحفاظ على أمنها، وفى الوقت نفسه، أكد ضرورة الحفاظ على الاستقرار فى منطقة الحدود الإسرائيلية اللبنانية على أساس الاحترام الصارم لقرار مجلس الأمن 1701. بل وطالب الكرملين بضرورة تحسين التنسيق العسكرى بين روسيا وإسرائيل فى سوريا. ما يعنى أن هناك انسجاما واضحا بين موسكو وتل أبيب. ومع ذلك، من الصعب أن نتصور أن تقوم روسيا بالضغط على إيران أو حزب الله، أو حتى تنفيذ طلب إسرائيل بالاحتجاج فى مجلس الأمن على أنفاق حزب الله، على الأقل فى المرحلة الحالية، لأن ذلك يضعف من قبضتها ومن نفوذها فى سوريا وحولها.
هكذا يتشكَّل المشهد فى لبنان الملىء بالمشاكل الداخلية، وبالمشاكل المتعلقة بآثار الأزمة السورية وانعكاساتها. وبالتالى، فزيارة وفد عسكرى إسرائيلى إلى موسكو لبحث الأوضاع على الحدود اللبنانية- الإسرائيلية والتنسيق فى سوريا، خطوة استعراضية، لا تخلو من الخبث السياسى، وتندرج تحت إطار التأكيد على الانسجام الروسى– الإسرائيلى، وأهمية الدور الروسى فى حل أزمات المنطقة، مقابل أن تتحمل روسيا مسؤولية أى تحركات من جانب إيران أو حزب الله، وهو الأمر الذى تديره روسيا بحنكة دبلوماسية شديدة ومن دون إبداء ضغوط قاسية على هذا الطرف أو ذاك، لكى لا تجد نفسها مرفوضة من كل الأطراف.
على الرغم من كل ذلك، وعلى الرغم من أن "أزمة أنفاق حزب الله" تكاد تكون مفتعلة لأسباب وصراعات سياسية داخل إسرائيل من جهة، ووضع إيران فى بؤرة الأحداث من جهة أخرى، لا يمكن استبعاد التحضير للقاء بين بوتين ونتنياهو قريبا، وهو ما لا يتعارض مع إمكانية قيام إسرائيل بتوجيه ضربات داخل سوريا خلال الفترة المقبلة.
أما الأهم فى هذا المشهد، فيتلخَّص فى ضرورة وجود طرف إقليمى مقبول لدى إسرائيل ولبنان من أجل منع نشوب أى حروب صغيرة وقطع الطريق على أى استفزازات قد تنعكس سلبا على لبنان بالكامل. وهناك اعتقاد سائد بأن صراعا خفيا يدور بين روسيا وبعض الدول الإقليمية، لأن موسكو تريد الانفراد بالحفاظ على المعادلة، أو على المشهد، بما يتوافق مع مصالحها الكبرى، ومع خططها فى سوريا، أو على الأقل وفقا لرؤيتها الخاصة بتسوية أزمات المنطقة. وبالتالى، من الصعب أن نتصوَّر إمكانية حصول نتنياهو على "كل ما يريده" من بوتين، وإمكانية أن تتحكم موسكو كليا فى هذا المشهد الهش.