البث المباشر الراديو 9090
الدكتور أشرف الصباغ
انتهت الصدمة الأولى لقرار الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بسحب قواته العسكرية من سوريا، تاركًا جميع الأطراف فى حيرة وشك وفوضى ذهنية.

فى البداية، هلل عدد من الأطراف "لهزيمة أمريكا فى سوريا"، وذهب البعض – ساسة ووسائل إعلام وخبراء - لتفسيرات مضحكة وبائسة حول "تمريغ أنف أمريكا فى الوحل" و"رعب أمريكا وخوفها" و"انتصار روسيا والأسد على أمريكا" و"اقتراب انهيار الولايات المتحدة".

فى الحقيقة، كل ردود الأفعال والتفسيرات والتحليلات هذه تمتلك الحق فى الوجود، خصوصًا أن هناك مجتمعات وشعوب ودول بحاجة إليها لأسباب مختلفة ومتعددة، ومع ذلك فقد أدى هذا القرار لهزة واضحة وملحوظة فى العديد من الدول، وعلى رأسها روسيا وتركيا.

ظلت وسائل الإعلام الروسية تردد أشياء لا معقولة على الإطلاق، إلى أن أعلنت وزارة الخارجية الروسية فى وقت متأخر من ذلك اليوم أنها ترحب بالقرار، وأن القرار عودة إلى القانون الدولى، ولكن "موسكو لا تفهم ماذا تقصد واشنطن بالمرحلة الجديدة أو المرحلة التالية"، وفى اليوم التالى، أعلن الكرملين أيضًا أنه لا يفهم ما هو المقصود بالمرحلة الجديدة التى تحدَّث عنها ترامب.

فى هذه الأثناء، كان الرئيس التركى رجب طيب أردوغان يجهِّز لشن عمليات عسكرية فى شمال شرق سوريا وسط صمت روسى – أمريكى من جهة، ووسط صخب وتصريحات غير مفهومة من جانب دمشق وطهران من جهة أخرى، ولكن المسألة لم تكن بحاجة إلى التعجل بإعلان النصر المبين على أمريكا والتحالف الدولى، ولا بإعلان هزيمة الولايات المتحدة وفرارها، ولا بطرح نظريات المؤامرة وحبك القصص والروايات والسيناريوهات "الهلاعية البائسة".

إن إعلانات الانسحاب من سوريا تكررت أكثر من مرة من جانب كل من روسيا والولايات المتحدة، ولكن لا أحد سحب قواته، كما أن مسألة "سحب القوات"، مسألة فضفاضة تماما وتحمل الكثير من الأوجه، فهل صرح أحد بأنه ينسحب من سوريا سياسيا؟ هل صرح أحد بأنه يسحب نفوذه وتأثيره من سوريا، سواء كان ذلك أمنيًا أو سياسيًا أو ماليًا؟ هل تحدث أحد عن تفكيك التحالف الدولى، أو عن تفكيك التحالف الروسى التركى الإيرانى؟

إن قرار الرئيس الأمريكى وضع أردوغان أمام الأمر الواقع، بل ومنحه الضوء الأخضر لبدء عملياته العسكرية بدون أى عوائق أو تدخلات، فالجميع يذكر جيدًا تصريحات أردوغان النارية ضد الولايات المتحدة، وتهديداته بشن عملياته العسكرية فى شمال شرق سوريا، وها هو مطلق اليدين، وحر تمامًا، وعليه أن يشن العمليات التى وعد بها، ولكنه بدلاً من ذلك، أرجأ تلك العمليات، وبدأ لعبة أخرى تماما بالإعلان عن نشر المزيد من القوات والآليات العسكرية جديدة.

الأمر الثانى، هو أن قرار ترامب وضع العلاقات الروسية – التركية أمام واقع جديد تماما، وأمام اختبار صعب، وعلى أردوغان أن يتصرف كحليف للولايات المتحدة، وعضو فى التحالف الدولى بقيادة واشنطن، وعضو فى حلف الناتو الذى تقوده الولايات المتحدة أيضًا، وهى التى أفرجت مؤخرًا عن صفقة "باتريوت"، وستفرج أيضا عن صفقة مقاتلات "إف 35" لتركيا.

وزير الخارجية الروسى سيرجى لافروف، الذى لا يزال لا يعرف معنى سحب القوات الأمريكية ولا يفهم ماذا عنى ترامب بالمرحلة الجديد، استبق الأمور، مؤكدًا بأن التواجد العسكرى التركى فى إدلب شمال سوريا متفق عليه مع الحكومة السورية، وقال إن ""تنفيذ الاتفاقات الروسية التركية حول إدلب المنصوص عليها فى اتفاق سوتشى، أصبح ممكنًا من خلال القرارات السابقة التى اتخذت إطار عملية أستانا حول تشكيل منطقة خفض التوتر فى هذا الجزء من سوريا.. ونشر نقاط مراقبة تركية فى محيط المنطقة من الجهة الداخلية، ونقاط مراقبة روسية وايرانية من الجهة الخارجية، وبذلك يكون وجود العسكريين الأتراك فى هذا الجزء من سوريا تم بالتوافق مع الحكومة السورية التى رحبت بمذكرة سوتشى، كما تم دعمها من قبل الجانب الضامن الثالث فى مفاوضات أستانا، ايران".

إن لافروف يسعى، فى تصريحه هذا، إلى تثبيت صيغى "أستانا" و"سوشى" كمكاسب وأوراق لروسيا من جهة، وتحذير أردوغان من مغبة التمادى عسكريا بتوسيع عملياته فى أجزاء ومناطق غير متفق عليها، وتنفيذ سيناريوهات أمريكية جديدة فى سوريا من جهة أخرى، ما يعنى أن قرار ترامب يستهدف نصب فخ لأردوغان ودفعه إلى سيناريوهات ستعرضه حتما إلى مواجهات شرسة مع أكثر من طرف إقليمى ودولى، كما يستهدف تعريض العلاقات الروسية – التركية إلى اختبار قد ينتهى بخسائر لا يمكن تفاديها أو تقديرها.

وبالتالى، كان أول قرار يتخذه الرئيس التركى بعد مفاجأة ترامب، هو أنه أجَّل عملياته العسكرية. ولا أحد يدرى، هل لضبط الأمور مع روسيا، أم للتشاور مع حلفاء مجهولين، أم للتفاهم مع الولايات المتحدة، أم لانتظار الإعلان عن تفاهمات روسية – أمريكية تمنحه مساحة للمناورة.

فى كل الأحوال، يبدو أن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان، الذى ما زال يفكر ويفكر، سيكون مضطرًا فى حال عدم ظهور تفاهمات روسية أمريكية إلى بدء عمليات عسكرية فى شمال شرق سوريا، وفى حال عدم تنفيذه لوعوده وتصريحاته العنترية وتهديداته، سيتضح مدى كذبه وتضليله وإطلاقه التصريحات المجانية المثيرة، وقد يقوم بعمليات "عسكرية – إعلامية" تافهة لذر الرماد فى العيون ومواصلة خداع الجميع.

وعمومًا، سيتوقف حجم وجدية هذه العمليات العسكرية "الأردوغانية" على تَفَهُّم روسيا لأردوغان، ورؤيتها لذلك فى إطار مصالحها فى سوريا من جهة، ومع بعض الدول الإقليمية المتنفذة من جهة أخرى. وحرصها على مواصلة التحالف معه، وبأى شروط، وهو أيضًا ما ينطبق على الولايات المتحدة التى يبدو أنها قررت "الاهتمام جيدًا" بأمر أردوغان المثير للمشاكل والذى أصبح يهدد مصالح الجميع، وهى الممتعضة جدا منه ولكنها مضطرة للتعامل معه.

ليس من المستبعد تكليفه بمهمات تشبع ذاته المتضخمة من جهة، وتضمن لواشنطن بقاء التناقضات الإقليمية فى المنطقة على حالها من جهة أخرى، وبالطبع، لن تتمكن تركيا من تحقيق كل ما تسعى إليه، لأنها ستكون جزء لا بأس به من تلك التناقضات.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز