أشرف الصباغ
بذلك تكون كريستيانا المرأة الوحيدة التى سيظل جوته يقتنى معها كل لوازم البيت، والتى ستلد له جميع أولاده، وسيعيشان معًا أكثر من ربع قرن، ثمانية عشر عامًا من دون زواج، وعشرة أعوام فى زواج رسمى.
كان لأم جوته وأخته كورنيليا تأثير شديد على صياغته لتصوراته عن الأنوثة فى مرحلتى الصبا والشباب، أم وابنة، امرأتان تربط بينهما أقرب أواصر العلاقات البشرية على الإطلاق، ومع ذلك فهما مختلفتان رغم هذه الرابطة، بل ومن الصعب تمامًا تصوُّر مدى تناقضهما مع بعضهما البعض.
وإذا كان جوته فى البداية - فى حالته مع شارلوتا فون شتاين - مشدودًا إلى ذلك النمط من النساء، والذى كانت تمثله أخته أيضًا، نراه بعد أن صار رجلاً ناضجًا يختار لنفسه واحدة أخرى، شبيهة بأمه من حيث النمط والنموذج.
وكان يسميها "الطبيعة المحبة للحياة" متحدثًا عن تلك البهجة المنعشة، الفرح الباعث على الحياة، اللذين تشيعهما مثل هذه النساء من حولهن دون أن يطلبن أى مقابل.
لقد قام شيللر بوضع تصور فى غاية المثالية لزوجة الكاتب مارتن فيلاند (Wieland): "متطلبات قليلة جدًا، وخدمة منزلية لا نهائية". بيد أن فيلاند نفسه عندما يختار بين امرأتين، فهو يفضِّل الزواج من تلك التى تجمعه بها النقطة الميتة، على تلك التى تعيش عالم الفن، وهو يعلق على ذلك بقوله: "لا مفر من أن أحدًا منا سوف يطالب الآخر بأمور كثيرة جدًا".
أما نيتشه، فمن أجل أن يُقَوِّى مهمته الحياتية الصعبة، كان يود أن يرى إلى جواره تلك المرأة التى قال عنها فى رسالة لأخته: "يجب أن تكون صبية، مرحة جدًا.. متعلمة قليلاً، أو غير متعلمة على الإطلاق.. وربة بيت جيدة جدًا، بشرط أن يكون كل ذلك عن قناعة شخصية وبميل داخلى، وبالنسبة لإنسان مثلى، ليس هناك روابط زوجية، ويجب أن يكون الأمر على طريقة صاحبنا جوته".
أما جوته فيتحدث بشكل خاص عن موهبة كريستيانا فولبيوس فى قدرتها على أن تكون سعيـدة، "افرح بالحياة مادامت شمعتها مشتعلة بعد/ اقطف الوردة مادام لونها لم يذو بعد".. هكذا تكتب كريستيانا لأحد أصدقائها فى ألبوم الضيوف.
تلك الكلمات المأخوذة من إحدى الأغانى يمكن أن تكون عنوانـًا لحياتها، لقد كانت كريستيانا بالنسبة إلى جوته نزوته الصغيرة ومحبوبته الغالية، وكنزه الدفين، وثروته التى لا تقدَّر بثمن: فى البيت والمطبخ والفراش، مضافًا إلى كل ذلك دور الأم أيضًا.
فى هذا المقام يقول جوته لكريستيانا: "سعة الاطلاع، والاهتمام بالسياسة، ومعاناة الشوق الأدبى - كل تلك الصفات ليست لك"، وبالنسبة إلى فيرند كانت كريستيانا مجرد: "خادمة لجوته، وكان وضعها الرسمى طوال ثمانية عشر عامًا فى فيمر - مديرة منزل لدى السيد فون جوته".
بعد أن أصبح جوته رجلاً ناضجًا، صار بغير حاجة إلى تلك المرأة التى يمكن أن يخبرها، مثلما كان يفعل مع أخته الرقيقة المثقفة، بجميع أفكاره الإبداعية، وبغير حاجة أيضًا إلى حكم شارلوتا التعليمية ومواعظها الإرشادية، والتى فى حبها له صارت بدرجة ما "أناه" الثانية، إضافة إلى إنه لم يكن بحاجة إلى تلك المرأة التى تمارس الكتابة وتقوم بكتابة مقاطع مقابلة أو مُصاغَة على نفس نمط أشعاره كما فعلت شارلوتا مع قصيدته "إلى القمر".