يسرى مصطفى
فالقاهرة ووسط المدينة، والجامعة هو الحيز المكانى والثقافى بل والنفسى الذى نلحظه فى أكثر من قصة، فالأمكنة تفرض وجودها، والشخصيات تأتى من المجتمع الثقافى والفنى والأكاديمى. ويشكل هذا الحيز المكانى مسرحا لأنماط متعددة من العلاقات المركبة والبسيطة، فيها التطلع للكمال والاكتمال، وفيها البحث عن الألفة أو البوح، وعلاقات تكون ولا تكون بفعل فوات الأوان، ومنها ما يقاوم الزمن، ومنها ما يكتمل ولا يكتمل بفعل التسلط والسيطرة الذكورية.
تستهل الكاتبة القارئ قصتها الأولى "اللبلاب" باقتباس للكاتبة الأمريكية فرجينيا ساتير: "أقوى غريزة لدى البشر هى غريزة جعل الأشياء مألوفة". وبهذا الاستهلال يستعد القارئ ليدخل عالم الألفة، ولكن يجد نفسه يبتعد عنها: فأين هى الألفة فى حياة فتاة تبحث عن شريك استثنائى، تبحث عن الكمال الذى لن يكون، لتكون ألفتها فى توحدها مع ذاتها فى عالمها الخاص، وحماية عالمها بالتخلص من تطفلات اللبلاب، تقول: "الآن.. وبعد أن تخلصت منه يمكنها أن تذهب لتنام، مطمئنة بأنه ما من أحد سيعمل على إفشال خططها، أو سيدخل بينها وبين زروعها، أو .. أو سيفاجأها من جديد".
وكما أن القصة الأولى تحمل مفارقة الألفة، فإن قصتها الثانية "يحيى" تحمل مفارقة من نوع آخر، فالاسم هو "يحيى" والحدث هو "الموت". ونحن لا نألف الموت، إما أن نستقبله بالحزن، أو بالإنكار، ففى المشهد الجنائزى الحزين، اللحظة الأخيرة والنهائية للوداع أمام المقبرة، يأتى "يحيى" لوداع حبيبته التى تزوجها ثم انفصلا لسبب لا نعرفه، ولكنه جاء لا ليودعها وإنما ليعيد بعثها بداخله، إنه الإنكار والانفصال عن الواقع حتى أنه: "يرق لحال هؤلاء النسوة وهن يبكينها.. لو يستطيع أن يدعوهن للولوج إلى داخله لرؤيتها والاطمئنان أنها بخير". والحقيقة أنها تذهب، وتتساقط دموعه كإشارة وحيدة على سقوطه فى الواقع، ولكنه يأبى رحليها، وكأنها هى التى تأبى رحيله عنها، فيسمع نداءها النهائى والآخير: "يحيى أنت لى أنا فقط". فهى ستبعث بامتلاكها له، وليس بامتلاكه لها، فهى تُبعث، وهو يرحل فى بعثها.
وإذا كنا نقاوم الفقد بالإنكار، فإننا نقاوم الألم بالبوح، وهذه قصة "الألم"، والتى تأخذنا إلى عالم الرغبة فى البوح. فعندما يتعاظم الألم ويفيض، يكون البوح هو مجراه إلى مسامع وقلوب آخرين، حتى لو كانوا عابرى سبيل. البوح قناة وصل واتصال. وهذا على عكس قصة "طعم الحزن" حيث تطالعنا الجد المكلوم بسبب وفاة ابنه أثناء الثورة، وهو الذى شجعه على المشاركة فى المظاهرات، وهو غارق فى أحلامه برؤية حفيده، وعلى الناحية الأخرى أرملة الفقيد التى لا تغفر فعلة والده، فتأبى أن يرى الجد حفيده انتقاما منه، وتظل المسافة بين الجد والأرملة ساكنة بطعم الحزن بين حنين وعناد، وفى موعد الاتصال بينهما يحل الصمت: "اثنان يجلسان بجوار الهاتف كل فى مكانه.. هى ترفع السماعة ثم تضعها دون اتصال، وهو ينظر لساعته، ويلبس سماعته الطبية، ويحاول أن يستمع جرس التليفون".
وتأخذنا الكاتبة فى مجموعتها، إلى جانب آخر فى العلاقات وهى أنماط الذكورة والأنوثة، أنماط الذكورة التى تتعدد ما بين العشق والغيرة والأنانية، فمن الرجال من يعطى بلا مقابل وحتى بلا أمل لأنه يعشق فى زمن "بعد فوات الآوان"... أو الذكورة الاعتيادية التى تتلاقى مع أنوثة اعتيادية فى دائرة الحب كما فى قصة "الحب تفاصيل صغيرة"، ثم الذكور الأنانية التى تحترف الصيد والاقتناص كما فى قصة "آلهة تسكن الأوليمب". ثم تضعنا الكاتبة فى مواجهة الذكورة والأنوثة، وهو لقاء مناجاة، كل يتحدث إلى نفسه وهو يتطلع ويشتاق إلى الآخر. تتطلع الأنوثة بخوف ورغبة فيما هو أبدى ومكتمل، وذكورة مرتبكة ومترددة يحيرها سؤال "كيف". إنها تموجات اللقاءات الأولى، حيرة ما قبل الاعتراف.
قد تكون العلاقات الإنسانية نمطية، ولكنها معقدة حتى فى نمطيتها، فكل علاقة حتى وإن تشابهت مع عدد لا يحصى من العلاقات تظل لها خصوصيها. خصوصية التجارب تعطيها معناها، والكاتب أو الكاتبة يسعى دائما لاقتناص المعنى.