يسرى مصطفى
وقد يستدعى هذا النص المسرحى ذلك الارتباط المعهود بين العرائس والمسرح، فنحن نتحدث عن مسرح العرائس، ولا نتحدث عن مسرح للعرسان، مع أن العروسة المسرحية "الدمية" ليست قاصرة على المؤنث، فقد تجسد شخصية مذكرة، ولكنها تظل دمية أو عروسة.
وعلى ما يبدو أن هذا التأنيث سببه أن "المؤنث" موضوع للمشاهدة والفرجة والتحديق.
وفى حين أن عرائس الفُرجة متعددة، إلا أن "دمية الحكى" الناطقة ظلت فى صيغة المذكور "الأراجوز".
وعلى ما يبدو أن الكاتبة استلهمت وظيفة "الأراجوز" لقلب قواعد اللعبة، فلا تكون العرائس هى موضوع الفرجة، ولكن كائنات تحكى، وتكشف، وتفضح، لتجعل الواقع ذاته موضوعًا للفُرجة.
وتتعدد العرائس بتعدد إكراهات الواقع، فيأتين جميعهن ويتجمعن فى نص كاشف للصور النمطية، والممارسات، والمواقف الاجتماعية من المرأة: "عروسة المولد، عروسة الماريونت، والمانيكان، وعروسة النيل، وعروسة البحر، وعروسة الظل، وعروسة الجوانتى".
وقد نجحت الكاتبة فى هندسة المشاهد، فتستهل عملها بمشهد أول عن "الإقصاء"، فتبدأ بلعبة الكراسى الموسيقية التى تقتضى قواعدها سباقًا ينتهى بخروج الخاسرة، فتدور العرائس لتخرج واحدة بعد الأخرى تباعًا، وكل خروج يعقبه منولوج قصير يكشف أحد مظاهر الإقصاء، ومع انتهاء الدوران نجد أنفسنا أمام منظومة متكاملة من الإقصاءات يتم التعبير عنها بصوت جماعى يلقى علينا كلمات دالة تبدو عشوائية، ولكنها تشكل حلقات القيد اليومى الذى يكبل حياة النساء: "خايفة، يمكن، اتأخرت، بحلم، لأ، واحشنى، إحساس، غلط، بحبك، موت، عاوزه، عيب، وحشة، دفا، ضحكة، عورة، رعشة، وجع، مفيش، دم، جواز، حرام، ضعيفة، بكارة، حاضر، مكسوفة، لمسة، حياة، ناقصة، مر، حضن، طفلة، بنت، شابة، عروسة، طالق، أم، عانس، مزة، عيلة".
وهكذا تتوالى المشاهد، بحكايات عن قضايا متنوعة تكشف عن حلقات القيد، فيكون المشهد الثانى حوارًا لمجموعة من العرائس عن العلاقات المأزومة والمكبوتة، والتشظى بين جمال الحلم وأوهام الواقع، بين الرغبة والخوف، فالتواصل هو الطريق إلى الاستبعاد والإقصاء فى ثقافة ترغب فى التواصل وتخشى ممن تتواصل، فالعلاقة مع شاب معناها فى مخيلته علاقة مع الجميع، فيتركها ليترتبط بعروسة "مثالية" لم يمسسها أحد "بسيلوفانها".
وفى المشهد الثالث، تضعنا الكاتبة أما "التحديق" فتتصدر "المانيكان" المشهد لتفضح النظرة والتحديق، فتبدأ قصتها بقول ما لا يقال علانية فى الواقع: "كفاية... إييييه؟، عينيكم موجعتكمش من البحلقة، ولا خلاص ما بقاش فى حياتكم غيرى".
وتأتى عرائس الماريونيت ليكن بطلات المشهد الرابع فيكشفن تشوه "أخلاقيات" العيب والحرام، وأساليب التنشئة الغارقة فى غموض ما ينبغى وما لا ينبغى، حيث تعيش الفتيات فى مساحات غائمة وحدود مبهمة، فيكون الجهل كالعلم.
ويأتينا المشهد الخامس بعروسة المولد، عروسة الحلاوة بزينتها، والتى يكون مآلها المخزن بعد أن ينفض المولد وكل مولد كدلالة على الحجب والحجاب.
وننتقل فى المشهد السادس إلى عروسة الحسد، أداة طرد الشر، ولكن الشر هنا هو العنوسة، تلك المنطقة المظلمة التى هى المنتهى الثقافى والاجتماعى لكل فتاة تخطت سن الزواج، فتقبع فى الظلام كسلعة رخيصة تباع بأى ثمن: "بس ما تنسيش إن بنتك ما بقتش صغيرة".
وفى المشهد السابع، تأتى عروسة الجوانتى التى تعيش عالمًا من سوء الفهم وخيبة الأمل، وحتى تلك التى تظهر مقاومة، فإن مقاومتها ليست انتصارًا، إنما محاولة للبقاء "كـغريق يتعلق بقشة".
وفى المشهد الثامن تأخذنا الكاتبة، مع عرائس البحر، نحو الصور النمطية للقبح والجمال، والتى هى أحد استراتيجيات الإقصاء، فتأتى عرائس البحر بصور مختلفة عن الصور النموذجية المُتخيَّلة، فهن نماذج عادية فيهن ذات الوزن الزائد والتى تضع نظارة على عيونها، والتى تستشعر أنها تفتقر إلى معايير الجمال المتعارف عليها، فتقول إحداهن:" أنا بكره جسمى اللى مخلينى ألعب دور الأم فى كل حدوته، مين قال إن البنت التخينة ما لهاش حق فى الحياة زى باقى البشر".
وعلى عكس الافتقار إلى معايير الجمال لعرائس البحر، تأتى عروسة النيل فى المشهد التاسع مستوفية المعايير الثقافية والاجتماعية للجمال، ولكن هذا أيضًا سبيلها إلى الإقصاء، فعروسة النيل هى القربان الذى سيتم التضحية به، لحماية خيالات المجتمع وأوهامه.
ومع مشهد القربان والموت ترتفع نبرة الرفض والمقاومة: "لأ مش هتموتى، هاتعيشى، وتحلمى، وهتفرحى".
وهكذا نأتى إلى المشهد الأخير، حيث تتجمع العرائس مجددًا ليغيرن مشهد الإقصاء الافتتاحى، ويستبدلنه بمشهد المواجهة، فتزداد صورتهن وضوحًا أثناء حركتهن وتكسيرهن الفتارين، وتستدعى كل عروسة عبارة قالتها فى المشاهد لتلقيها بقوة وتحد، قوة الكشف والفضح والرفض.
وكما يرد فى النص، فإنهن يضعن الكراسى فى صف فى مواجهة الجمهور، ويجلسن بكبرياء وهنَّ يضعن ساقًا على ساق، ويضحكن بسخرية فى وجه الجميع.