يسرى مصطفى
وقد لفت نظرى هذا العنوان، ليس لأنه يندرج ضمن الجدل حول الكتابات النسائية أو النسوية، ولكن لأن كلمة "الأنثى" قد يحمل الكثير من الصور عن النمطية، فإذا لا نقول "الذكر والكتابة"، فلماذا نستخدم كلمة الأنثى؟
هل هذه الكتابات تقدم لنا مذاقا أنثويا، أم نظرة للعالم بعيون أنثوية؟ أم أنها تعكس نظرة ضيقة للأعمال التى تكتبها نساء، فلا نرى إلا الهوية الجنسية على حساب التجربة الإنسانية؟ ولعل هذا يدفعنا دائما لطرح السؤال التالى: هل تختلف الكتابات النسائية عن الكتابات الرجالية؟ وهل يحق لنا اتباع مثل هذا التصنيف؟
على ما يبدو أن حضور المرأة "أكثر من حضور الرجل"، يثير مسألة الاختلافات، ويستدعى ثنائية رجل/امرأة، أو ذكر/أنثى بكل ما تحمله من دلالات حول التمايز والاختلاف.
ودلالات الاختلاف لا تنحصر فقط فى اختلاف المشاعر والأحاسيس، ولكن أيضا اختلاف فى القدرات واختلاف التجارب الإنسانية المعاشة.
ومع ذلك لا يمكن أن نتجاهل أن مقاربة الاختلاف من منظور القدرات لم تعد تحظى بأى مشروعية لأنها تجسد أنماطا تقليدية من التمييز والتحيز الجنسى.
ومع ذلك فإن أصداء هذه المقاربة لا تزال قائمة، عندما يتم النظر إلى أن الكتابات النسائية تعبيرات ذاتية ولا ترتقى إلى الموضوعية، إذ يتم الفصل المتعنت بين الذاتى والموضوعى، وحصر الذاتى فى الهوية الأنثوية المنغلقة على ذاتها فى حين أن الموضوعى هو الفضاء الإنسانى الأرحب إذ يكون الكتاب الرجال.
وفى هذا السياق نذكر كلمات الكاتبة البحرينية فوزية رشيد عن مسألة الذاتية والموضوعية، فالذاتية يتم تأويلها على أنه قصور وضعف نقصان باعتبار أن كتابة المرأة، وفق هذه النظرة، حبيسة ذاتها الأنثوية التى هى موضع نقص وفق الثقافة السائدة، وهكذا تكون الذاتية تهمة ووصمة: "تهمة أن إبداع المرأة أدنى من إبداع الرجل لأنها لا تزال حبيسة عالمها الذاتى وأنها لم تتمكن بعد من الخروج إلى فضاء الأفكار الموضوعية والكونية الهامة التى يعالجها الرجل فى إبداعاته".
ولكن فى الحقيقة أن ثمة فصل تعسفى بين الذاتية والموضوعية سواء فى تجارب النساء أو الرجال.
فحتى بافتراض أن المرأة تعبر عن هموم ذاتية، فهذه الذاتية هى الموضوعية بعينها إذا ما نظرنا إليها فى سياقها، فتاريخ المرأة وحتى واقعها "الموضوعى" يجسد الإقصاء والتهميش، فإذا عبرت ذاتيا عن هذا الواقع فهى الأكثر اقتربا من الموضوعية، وهكذا تمحى المسافة بين الذاتى والموضوعى.
تقول فوزية رشيد: "إن الإرهاب الممارس فى فكرة أن الكتابة النسائية هى كتابة ذاتية يجب أن تكون تعبيرا عن امتياز لا عن ضعف أو دونية فهذه الذات الملجومة فى حقها أن تنطلق أولا من حقها أن تكشف عن طبيعة الاضطهاد الممارس ضدها".
وفى شهادتها، تعيد هدى بركات رسم ثنائية الذاتية والموضوعية لتفككها وتعيد تركيبها، ففى الكتابة النسائية تكون الذات أنثوية لا شك فى هذا، ولكن الكتابة بلا جنس، والذات تجربة وليست هوية، وبما أنها كذلك فلا توجد ذاتا مطلقة أو جامعة، وإلا صارت هوية، فكل امرأة، كما كل رجل، ذات مستقلة تعيش تجربتها وخصوصيتها وتكتبها.
تقول هدى بركات "أكتب كذلك لأنى امرأة لا تستطيع إلا أن تكون كذلك، ولا تريد أبدا أن تشبه الرجال.
أعرف وأثنى بفرح إنى مختلفة، وأن لى هوائيات ومجساتٍ تخصنى".
هنا ترتبط الذات بخصوصية الرؤية والتجربة، فهى ليست كالرجال، كما أنها ليست كمطلق نسميه "المرأة". إنها حالة خاصة، تخصها ككاتبة وكإمرأة، لها رؤيتها وتجربتها.
ولذا فإنها تضيف قائلة: "وأكتب أيضا لأنى لا أريد أن أشبه أحداً، غرضاً، شيئاً. ولكنى أزداد دخولا فى نفسى وتشبها بها تشبثا.
لأنى ربما أريد أن أقول إنى حين أكتب أغدو خارج جنسى، خارج أى جنس. ويتهيأ لى أن فعل الكتابة هو فعل خالص، خارج مصادر التأنيث والتذكير كسلوكيات اجتماعية".. وتقول "حين نكتب نكون التذكير والتأنيث معا، ونكون أبعد منهما بكثير".
وتذهب أبعد من ذلك، فتقول أنها تكتب من أجل ذاتها . ضد جدى ووالدى لكى أحسن دفنهما.. أكتب لأننى حرة، ولأنه لا يمكننى أن أكون كذلك.. أكتب أحيانا ضد ما ترى عيناى، وأكتب ضد يدى"، وهكذا تكون الكتابة أشبه بفعل تفكيك وإنشاء، لا مركز لها حتى الذات المبدعة نفسها.
إن الانطلاق من منصة الاختلاف بين الرجال والنساء غالبا ما يدفعنا إلى التحليق فى فضاء الصور النمطية السائدة والتى تحكم تفكيرنا، فنظن ونتوقع أن النساء يكتبن عن ذلك العالم السرى الرطب القابع فى الظلام، وأن الرجال يكتبون فى الفضاء الرحب تحت أشعة شمس الموضوعية.
إن منطق الاختلاف بين الرجال والنساء قد لا يكون إلا تصورات مسبقة نجتهد لكى نثبتها فى كل شئ بداية من السلوكيات اليومية وحتى الإبداع والكتابة.
وهنا أتذكر ما ورد فى كتاب ميليسا هاينزفى "جنوسة الدماغ" الصادر ضمن سلسلة عالم المعرفة "يوليو 2008" أن ثمة مغالطات علمية فى الإصرار على إبراز الاختلافات بين جنس الرجال وجنس والنساء، ومنها:
أولًا: تأثيرات الأفكار المنمطة عن الفروق الجنسية على منظور الباحثين والأفراد موضع البحث.
ثانيًا: المبالغة فى نشر استنتاجات فروق جنسية ذات مغزى بدون برهان فعلى.
ثالثًا: تجاهل ارتباط الفروق الجنسية بخصوصية المواقف والتجارب الإنسانية.