البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
كتب فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، على الصفحة الرسمية للأزهر "فيسبوك": "أشعر بالحزن تجاه حريق كاتدرائية نوتردام فى باريس.. هذه التحفة المعمارية التاريخية.. قلوبنا مع إخواننا فى فرنسا، لهم منا كل الدعم".

فى الحقيقة، هذه العبارة تلخص الدور الحقيقى المنوط بالأزهر كقلعة إنسانية وحضارية، وتلقى الضوء على دوره، الذى يجب أن يكون، كأحد أذرع القوة الناعمة المصرية التى تنتمى إلى مصر الحضارة والتاريخ والرسالة، بعيدًا عن التصنيفات الدينية والعرقية والتوجهات الخبيثة والمغرضة التى تتجاوب مع أهواء المرضى والأغبياء والقتلة.

كاتدرائية نوتردام هى أساس باريس، وحولها بُنيَت هذه المدينة، وهى أيضًا تحفة معمارية تنتمى بالدرجة الأولى إلى الحضارة الإنسانية وجهد الإنسان وإبداعه، حيث شُيدت على مراحل زمنية خففت قليلاً، أو كثيرًا، من حدة الفن القوطى وجهامته.

أما عظمة الدولة الفرنسية فهى تتجاوز التصنيفات والمصطلحات.. إنها ببساطة، عظمة تليق بأحد أهم مصادر النور والثقافة والقانون.. هذه العظمة جعلت الفرنسيين يتخلون عن التصنيفات الدينية ويعتبرون هذه التحفة المعمارية ملكا للبشرية. فهم لم يصنِّفوها أبدًا كتراث مسيحى يخص المسيحيين، أو الكاثوليك حصرًا. وهو ما يتعارض تمامًا مع العديد من المفاهيم والرؤى الغارقة فى التقسيم والصنيف والعنصرية والجهل.

الغريب، على سبيل المثال، أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية قد وصفت الحريق بأنه مأساة بالنسبة للعالم المسيحى بأسره، وقال سكرتير قسم العلاقات الخارجية للكنيسة الأرثوذكسية الروسية إن "الكنيسة الأرثوذكسية تلقت بحزن بالغ الأنباء عن الحريق فى كاتدرائية نوتردام فى باريس.. هذه مأساة بالنسبة للعالم المسيحى بأسره"، وأعرب عن أمله "بأن لا يكون إكليل الشوك للمسيح المخلص، الذى يحفظ فى الكاتدرائية قد تضرر، جراء الحريق".

والأكثر غرابة وإثارة للدهشة والتساؤل أن الفاتيكان وقع فى فخ يتطلب المزيد من البحث والاستفهام فى ما يجرى فى العالم كله. إذ أعرب عن صدمته إزاء الحادث. وقال المتحدث باسم الحبر الأعظم إن "الفاتيكان يشعر بـحزن عميق، ويعبر عن تضامنه مع كاثوليك فرنسا"!

أما رسالة فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر إلى الفرنسيين وكل القلقين على تراث البشرية فقد عكست جوهر رسالة قلعتنا - الأزهر، وما يجب أن تكون عليه بعيدًا عن التصنيف الدينى والعرقى، بينما الشامتون والأغبياء والحمقى يتصيدون البقع السوداء فى التاريخ، ويمعنون فى تلويث أرواحهم وأرواح الآخرين بالغل والشماتة والدناءة عبر النظرة الضيقة والصنيفات، ويوغلون فى تلطيخ أنفسهم بالدماء.

بعد ساعات قليلة من الحريق، خرج خبراء هذه الدولة ومسؤولوها ليعلنوا بثقة أن الكاتدرائية بحاجة إلى عشر سنوات لكى تستعيد شكلها السابق، وأعتقد أن فرنسا ودول الاتحاد الأوروبى والمنظمات الثقافية والإنسانية والإمكانيات العلمية والهندسية والفنية قادرة على تنفيذ ذلك.

لم يتم الإعلان عن وقوع ضحايا، وربما يكون ذلك هو الأهم، ففى الحقيقة، فإن أرواح الناس أهم بكثير من أى تراث إنسانى، ومن أى بلد وأى دولة، لأن الإنسان فى الحقيقة هو أساس كل شىء، وهو الذى أسس كل شىء وبناه وشيده، وهو المحرك الرئيسى لكل المنجز البشرى.

إن حياة الإنسان، أى إنسان وكل إنسان، هى أثمن وأسمى قيمة فى الوجود، ولا تستطيع أى حرب أن تعيد الضحايا إلى الحياة، ولا يمكن لأى أيديولوجيا أن تعيد الروح إلى أجساد الضحايا، وهو ما عبَّر عنه المخرج الروسى الراحل أندريه تاركوفسكى فى فيلمه "طفولة إيفان"، حيث لم يكن هناك من يمكنه، أو ما يمكنه، أن يعيد الحياة إلى هذا الطفل الذى دمرته الحرب، ولا حتى "الشيوعية" نفسها كان بإمكانها أن تعيد إليه حياته.

بينما رأى نقاد ومفكرون كثيرون أن حياة الطفل "إيفان" أهم بكثير من الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة وألمانيا، وأهم بكثير من الاشتراكية والشيوعية والرأسمالية، وأهم من أى تراث معمارى أو فنى.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز