البث المباشر الراديو 9090
أشرف الصباغ
إن نظرية كونديرا الروائية نشأت فى تناقض حتمى وقطعى للمهمة السياسية والأيديولوجية للفن فى التصورات الرسمية للمرحلة الاشتراكية.

 

هكذا ترى الباحثة الروسية سفيتلانا شيرلايموفا، بل وترى أيضًا أن كونديرا، مع ذلك، يظهر استقلاليته حتى فى علاقته مع نماذج البحث العلمى للفكر الأكاديمى المعاصر.

يحكى كونديرا قصة مضحكة حدثت مع رأى إحدى الشخصيات من روايته "كتاب الضحك والنسيان": أستاذ الفلسفة القروى فى حديث حول المائدة مع بانكا المولع بالكتابة وهو يقول بتأمل: "بعد جويس صرنا نعرف تمامًا أن أكبر مغامرة فى حياتنا - هى عدم وجود المغامرة.. "أوديسا" هوميروس انتقلت إلى داخل الإنسان".

هذه الحكمة الموعظة فتنت العديد من النقاد الذين لم يتبينوا فيها سخرية المؤلف، وراحوا يستشهدون فى إعجاب شديد بكلمات بطل الدرجة الثالثة للرواية وكأنها يقين الكاتب، ولكن كونديرا نفسه يسمى حسابات الأستاذ القروى مجـــرد "تفلسف أبله" مشيرًا إلى أنه: "فى سنوات السبعينيات كنتُ أسمع دائمًا من حولى ذلك الهراء الجامعى، وتلك الترقيعات من فرق النزعة البنيوية والتحليل النفسى"، وهو يرفض بشكل قاطع أيضًا سعى فئة معينة من النقاد إلى حسابه على ما بعد الحداثة.

يمكن القول، حسب شيرلايموفا، إنه فى مدخل كونديرا إلى فن الرواية يوجد شىء ما قريب الصلة بتقاليد النقد الروسى الذى كان يناقش الأعمال الفنية كحياة واقعية، فهو يكتب: "توجد طريقة واحدة فقط لفهم روايات كافكا.. أن نقرأها كروايات، ولا نحاول النظر إلى الشخصية الكفكاوية على أنها صورة المؤلف، أو فى كلمات كافكا على أنها رسالة سرية كُتِبَتْ بالشيفرة، ومع ذلك يجب أن نتتبع باهتمام أفعال الشخصيـات وتصرفاتها، نواياها وأفكارها، ساعين إلى تصور أن كل ما يجرى، يجرى بالفعل أمام أعيننا".

الشىء المهيمن فى نظرية كونديرا الروائية هو الدور المخصص للتجربة، حيث إن المؤلف حر فى اختيار الموضوع والأبطال والحدث والشكل، ومن غير الجائز أن نفرض على الرواية متطلبات مماثلة لما فى الحياة، لأنه فى نهاية المطاف سوف يكون كل شىء فيها – مختلق.. بيد أن الكاتب لا يملك الحق فى التعامل بعشوائية مع الواقع، ولكنه يستطيع فقط وبقوة موهبته وإدراكه أن يقترب من فهمها.

وكأمثلة ونماذج للبحث الفنى الناجح للحياة يقدم كونديرا روايات بروخ وموزيل وهمنجواى وتوماس مان. ففى مقالة "الطريق من خلال الضباب" بكتاب "خيانة الوصايا" يعرج بالتفصيل على رواية "المحاكمة" لكافكا، وعلى بعض جوانب "الحرب والسلام" لتولستوى. وهذان المؤلفان يمثلان، بالمفاهيم المنتشرة فى روسيا على سبيل المثال، المعارضة لـ "الواقعية - الحداثة"، ولكن هذه المعارضة بالنسبة لكونديرا غير موجودة بشكل عام، حيث أن كلا من تولستوى وكافكا ينتميان - بالنسبة له - على حد سواء إلى الفن الروائى الرفيع، وهذا وذاك يكتشف على طريقته السنن العامة للوجود الإنسانى.

بطل رواية "المحاكمة"، مع عدم معرفته الذنب الذى ارتكبه، يبدأ فى جوهر الأمر - وتحت ضغط مُتَهِمِيه الذين لا يحترمهم - فى إبداء المساعدة لهم، بأن أخذ يُلَفِّق لنفسه بنفسه القضايا المُتَّهم بها. هنا يرى كونديرا أن كافكا قد نجح فى كشف ميكانيزم ذلك الشذوذ النفسى الذى يسمى بـ"النقد الذاتى"، والذى كان موجودًا فى عصر التوتاليتارية الاشتراكية - تلك "المحاكمة الكفكاوية التى استمرت لأكثر من نصف قرن". إلا أنه لم يكن يُقَدَّر له أن يصبح هو ذاته كونديرا إذا كان قد اقتصر على فضح ماضى كل من الفاشية والاشتراكية، نظرا لأن أكثر ما يثير قلقه هو أن دروس الماضى تذهب طى النسيان، ولا يتم الخروج منها بالنتائج الضرورية المطلوبة: "لقد زالت الإمبراطوريات التوتاليتارية مع محاكماتها على السواء، ولكن روح المحاكمة بقيت لتصفى حساباتها معنا".

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز