جمال رائف
حيث يجد الأول فى استبعاد الأطراف المختلفة مع أفكاره السبيل الوحيد لإقامة دولته العنصرية مما يستدعى استخدام العنف الفكرى أو المسلح وإن تظاهر بغير ذلك ورفع شعارات التسامح والإخاء مرتديًا عباءة الدين، فهذا فقط فى إطار الميكافلية النفعية أو من منطلق الغاية تبرر الوسيلة.
أما الثانى فيجد فى دولته الوطنية مظلة تحتوى الجميع وأرضًا رحبة تحمل كافة الاختلافات التى تتفق على حب الوطن الذى هو كلمة السر للمرور إلى دولة وطنية، حرية المعتقدات والأديان بها مكفولة للجميع، بينما حب الوطن بكافة مكوناته الثقافية والديموغرافية التى تجتمع لتشكل هوية وطنية لا تقبل التفكك هو فرض عين، دولة كافة عناصرها مترابطة متماسكة عصية على التجاذبات القومية، وهو ما يمكن تطبيقة على الحالة المصرية التى تمسكت بأركان هويتها السبع والتى تنصهر لتشكل الهوية المصرية، ورفضت أن تعتلى الوطن إيديولوجية متطرفة لجماعة إرهابية هى جماعة الإخوان، بل ثارت فى 30 يونيو وزلزلت الأرض تحت أقدامهم بعد أن ظنوا أن مصر لهم وحدهم.
نموذج الدولة القومية العنصرية أسست له تجارب متعددة يرصدها التاريخ مثل ألمانيا النازية، أيضًا الحاضر شاهد على أثر هذا التاريخ الذى أسست له بريطانيا بالتحديد عندما دعمت جماعة "الافريكانيرز" فى جنوب إفريقيا والتى أسست لنظام الفصل العنصرى هناك، وهو نفس التوقيت الذى دعمت فيه إنجلترا حسن البنا لإنشاء جماعة الإخوان التى تشابهت أهدافها ومبادئها مع جماعة "الإفريكانيرز" فقط اختلف الستار الدينى من الإسلام إلى المسيحية، وهذا تمهيد لتقبل فكرة الدولة ذات القومية الأحادية قبل زرع الكيان الصهيونى فى المنطقة، وهو ما حدث بالفعل وظهر بعد ذلك نموذجًا جديدًا أيضا فى نفس الإطار متمثلًا فى دولة الملالى بإيران مما ساهم فى تعزيز فكرة صراع القوميات بهدف التمسك بنمط الدول العنصرية التى مصيرها الفشل.
وجاء الربيع العربى لشق صفوف الدول الوطنية، وتحقيق دول قائمة على الفيدرالية الأثنية والتى ينتج عنها مطالب بالانفصال وهو الذى حدث فى إقليم كردستان العراق على سبيل المثال، وتم استخدم حلم دولة الخلافة وتم التأسيس لتنظيم "داعش" الإرهابى فى إطار تعزيز صراع القوميات.
وقد استجابت بعض دول المنطقة لمخططات التقسيم ومن ثم التفتت والانهيار لتبقى القومية الأقوى حينها متمثلة فى إسرائيل، حرب القوميات التى انخرطت بها إيران وتركيا وتستغلها إسرائيل استطاعت مصر النجاة منها حينما قرر الشعب تعديل مسار دولته واستردها من تجار الدم والخراب، وكانت ثورة أعادت الوطن من مسار الدولة الفاشلة إلى مسار صنعه الأجداد، وشكَّله التاريخ فصنع الدولة المصرية الوطنية التى صمدت أمام الإمبريالية والاستعمار التقليدى وأيضًا ضد أى غزو فكرى وثقافى يعكر صفو الحياة فيها، أنها مصر بشعبها الصامد الصابر على دولته الوطنية الرافض للتطرف والإرهاب، وقد تمكن من استعادة دولته وكرامته بعد أن قرر قائد جسور هو الرئيس عبدالفتاح السيسى اتخاذ القرار الصعب فى الوقت المناسب مستجيبًا للرغبة الشعبية التى خرجت إلى الشوارع فى ثورة تمسكت بالدولة المصرية الوطنية، وأنهت دولة المرشد التى أعلت أيديولوجية متطرفة رفضها الشعب حفاظًا على مصر الوطنية لتتشكل الملحمة التى خاضها الشعب بكافة مكوناته بما فيها الجيش والشرطة لتبقى مصر ويبقى 30 يونيو يوم مشهود فى تاريخ الوطن.