البث المباشر الراديو 9090
جمال رائف
انفرطت سنوات العقد الثانى من الألفية، ورحلت عشرية سوداء قد حلت على العرب برياح الخريف الذى عصف بأوتاد دول كانت جذورها فى الأرض راسخة، إلا من استطاعت الصمود وأعلت حصن الدولة الوطنية، فكان حائط الصد أمام رياح الخريف والفوضى.  

كانت البداية قبل حلول العقد بعام، حيث مهد أوباما الرئيس الأمريكى السابق، لعشرية الفوضى الخلاقة حينما تحدث من القاهرة بخطابا بدأه بالسلام عليكم وختمه بالديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم يمض الكثير حتى حلت رياح الخريف العربى قادمة من تونس لتجتاح العواصم العربية، فمن استطاع الصمود فقد نجا ومن انجذب للعواصف عصفت به رياح الخراب.

تونس لم تكن الإجابة ولكنها كانت نقطة الاشتعال الأمثل، وبالفعل بعد أن أضرم بائع جائل النيران فى نفسه، امتد لهيبها لكافة الأرجاء التونسية، ولم يمض الكثير حتى رحل الرئيس التونسى حينها زين العابدين بن على، وبعدها تساءل الجميع وماذا بعد؟! وكان السؤال الصعب الذى خلخل دول لم تكن مؤهلة لصنع تجربتها الديمقراطية المحلية بعيدا عن النمط المعلب القادم من الغرب، وهو ما أدى إلى صعود تيار الإسلام السياسى فى تونس مع أولى التجارب الانتخابية، ورغم اعتراف الشعب التونسى نفسه بفشل نتائج الصناديق فى تحقيق طموحاته والحفاظ على علمانية الدولة، إلا أنه لجأ لنفس الأداة ظنا أن هذا سيقصى تيار الإسلام السياسى الذى اتخذ خطوة للخلف ثم عاد ليتصدر المشهد من جديد فى ثالث انتخابات، قد انهكت الاقتصاد التونسى ووضعت الدولة فى العديد من المشاكل سواء على الصعيد الداخلى أو الإقليمى.

مصر والتى كانت المحطة الثانية، وأيضا هى من كانت تملك الإجابة الحقيقية، وبالفعل استقبلت ما يمكن وصفه بثوارت الخريف العربى ورحل الرئيس المصرى حينها حسنى مبارك، وكيفما حدث فى تونس بدأ وكلاء الخراب من جماعة الإخوان الارهابية القفز والتسلق للوصول إلى السلطة عبر التستر وراء عباءة الدين وتقديم الرشاوى الانتخابية، وفور وصولهم استفاق الشعب المصرى من غفوته وألقى بهم خارج المشهد السياسى عبر ثورة جارفة فى 30 يونيو، وقفت خلالها القوات المسلحة المصرية حائط صد ومساند بل ومؤيد لرغبات الشعب، ليستقر بعد هذا مسار الوطن بعد أن خرجت مصر من عقد الفوضى بزعيم حقيقى وهو الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى تصدى مستندا على الشعب المصرى لرياح الخراب لتبدأ معركة مصر ضد الإرهاب وتحقق ثورة حقيقة متعلقة بالبناء والتنمية.

ولم ترحل رياح الخريف العربى من شمال إفريقيا قبل أن تطيح بليبيا التى انتهى مصير رئيسها معمر القذافى، بمشهد دموى استكملته طائرات حلف الناتو التى أشعلت الصراع القائم حتى الآن، والذى يحاول أردوغان، استغلاله لسلب ثروات ليبيا وتحقيق أطماعه الاستعمارية، والتى يتصدى لها الجيش الوطنى الليبى الذى استعاد قوته وتمكن من فرض السيطرة سعيا لاستعادة الدولة الوطنية.

من شمال إفريقيا مرورا بالمتوسط، كان الطوفان الذى قضى على الدولة السورية التى باتت مسرحا للصراع الإقليمى والدولى حيث تواجدت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا وإيران وتركيا، وأصبح الصراع يمزق الأراضى السورية فى ظل محاولات الجيش السورى للحفاظ على ما تبقى من الدولة.

نزولا لجنوب الخليج اشتعلت الأوضاع وأصبح الوضع اليمنى من الصعوبة والتعقيد خصوصا مع التواجد الإيرانى الذى يعرقل جهود السعودية والإمارت وقوى التحالف التى تحاول إعادة الاستقرار والسلام إلى اليمن، الذى لم يعد سعيدا.

 قبل أن يمضى العقد عبرت الفوضى البحر الأحمر وصولا إلى دولة السودان التى احتقنت بها الأوضاع السياسية والاقتصادية مما دفعها لثورة شعبية عصفت بعمر البشير، وكادت تعصف باستقرار السودان لولا تدخل الجيش، الذى أدار المرحلة بحكمة وبمشاركة مع قوى الحرية والتغير، مما أبعد شبح الفوضى بشكل نسبى فى حال استمرت المرحلة الانتقالية والتى تمتد لثلاث سنوات بأمان.

وبالعودة مجددا لشمال إفريقيا تجد أن دولة الجزائر قد انتفضت بعد ترشح الرئيس الجزائرى السابق عبدالعزيز بوتفليقة، لفترة رئاسية جديدة مما أشعل الغضب، والذى أسفر عن انتخابات رئاسية جديدة فى ظل توترات ما زالت قائمة يمكن للرئيس الجديد عبدالمجيد تبون، أن يستوعبها نظرا لأنه من أنصار الحفاظ على الدولة الوطنية. 

وقبل أن يرحل عقد الفوضى اتجهت رياح خريفه إلى لبنان والتى كان من المتوقع أن تنفجر بها الأحداث كنتاج طبيعى لبناء نظام سياسى اعتمد على فكرة المحاصصة، والتى أدخلت العراق أيضا فى نفس المأزق الذى دفع المواطنين للنزول إلى الشارع مطالبين بدولة وطنية تتخطى الطائفية وتصل بالدولة للاستقرار السياسى والاقتصادى.

فى ظل هذا الخريف العربى العاصف تضررت القضية الفلسطينية ورغم المساعى المصرية الجادة لإيجاد مصالحة فلسطينية من أجل توحيد وحدة الصف الفلسطينى، بما يدعم موقف القضية أمام المجتمع الدولى، إلا أن الصراعات الداخلية سمحت لإسرائيل أن تحصل على المزيد من المكاسب أهمها نقل السفارة الأمريكية للقدس.

عقد من الزمان امتلأ بالاضطرابات التى شملت أيضا تركيا وإيران، والتى تهدد بقاء انظمتهما خلال العقد المقبل، كما أن المظاهرات أشعلت المدن الأوروبية مثل فرنسا وإسبانيا وبلجيكا، بل يظل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى الحدث الأبرز فى القارة العجوز خلال العقد المنصرف، والذى شهد العالم خلاله المزيد من التوترات بين القوى الكبرى سواء كانت بين الصين والولايات المتحدة الأمريكة التى اشتعلت بينهما حرب تجارية قد تضر بالاقتصاد العالمى، أو على صعيد الملف النووى الايرانى وتداعياته التى وضعت منطقة الخليج فى خطر.

كما يعد الملف النووى لكوريا الشمالية أحد أبرز أحداث هذا العقد، ربما السطور لا تتسع للإلمام بأحداث عشر سنوات غيرت وجه العالم وأسقطت الأقنعة عن دول مثل قطر وتركيا وإيران، وأثبتت أنهم حضانات للأفكار المتطرفة وداعمين للإرهاب، عشرية كانت أهم ملامحها تتمثل فى أطماع تلك القوى مضاف لها إسرائيل فى المنطقة العربية، وها نحن ندخل عقد جديد بتحديات جديدة على الصعيد الإقليمى والدولى، أبرزها المتعلق بملف حوض البحر المتوسط وأيضا القارة الإفريقية ودولها التى تشهد تحدى يتعلق بقدرتها على التفاهم والتعايش فى سلام وأمان.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز