جمال رائف
صرخات المنظمات والمؤسسات الدولية المعنية بمراقبة مؤشرات الجوع والفقر أصبحت تشير إلى خطر أكبر يداهم البشرية إذا ظلت تنتهج سياسة محاربة فيروس كورونا من وراء حوائط المنازل، حيث أن توقف دوران عجلة الإنتاج وشلل الاقتصاد العالمى يؤثر على إمكانية نجاح البشر فى الخروج من جائحة كورونا بأمان.
ووفقا لمنظمة "الفاو" يصل عدد الجياع فى العالم إلى 821 مليون شخص وهذا الرقم بالطبع قبل ظهور كورونا، فيما أعلنت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مؤخرا أن الأعداد الجديدة المرشحة للانضمام لنادى الجياع بحلول نهاية هذا العام جراء جائحة كورونا 265 مليون أى نحن بصدد الوصول بالأعداد إلى أكثر من مليار جائع حول العالم.
وفى حال توقف الإنسان عن إنتاج غذائه ربما يصعد المؤشر بمستوى رأسى، حال ظل الخوف من التعايش مع الوباء، لحين ظهور الدواء، مسيطرا على العقل العالمى الذى يحاول استيعاب التقارير الصادرة عن المؤسسات المالية العالمية والتى تشير إلى أزمة اقتصادية طاحنة لم يشهدها العالم فى حال استمر الإغلاق والحظر سمة تلك الفترة، مما سيضاعف أيضا من أعداد الفقراء بجانب الجياع، وتشير مؤشرات البنك الدولى إلى أن الفقر المدقع يصيب 736 مليون شخص حول العالم، نصفهم أو ما يعادل بالتحديد 368 مليون شخص يعيشون فى 5 بلدان فقط، وهى الهند ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وبنغلاديش، بالطبع ستنضم دول أخرى وستزداد أرقام الفقراء حول العالم بالتوازى مع ازدياد معدلات الجوع فى ظل نقص فرص العمل وتوقف الاقتصاد العالمى عن الدوران.
التأثيرات الاقتصادية السلبية التى تظهر الآن من المؤكد أنها ستدفع أعداد الفقر والجياع إلى التزايد بوتيرة متسارعة خاصة فى الدول النامية بينما ستقضى على أمال التنمية بالدول الفقيرة، كما أن الدول الغنية أو المتقدمة هى الأخرى ليست بمنأى عن التأثر بل ستصاب بأزمة اقتصادية ترجعها سنوات للخلف خاصة فى ظل غياب التعاون الإقليمى بين تلك الدول، فلم يعد البقاء بالحظر المنزلى والعزلة عن المجتمع سمة الأفراد بل طبقت الدول نوعا من الحظر الدولى على نفسها بشكل غير معلن أو منظم.
انعزل المجتمع الدولى عن بعضه البعض وانشغلت كل دولة بمواجهة مخاطر الوباء بل سعت بعض الدول الكبرى لتسييس الجائحة وتصعيد الفجوة التى تعيق التعاون الدولى لمواجهة الوباء، وهذا لا يمنع أن هناك دول حافظت على التواجد والانفتاح على العالم فى ظل الأزمة من أجل التعاون فى مواجهة الجائحة، وكانت مصر إحدى تلك الدول التى سخرت أدوات سياسيتها الخارجية لخدمة التعاون الثنائى بينها وبين الدول الصديقة والشقيقة أو على الصعيد الإقليمى والدولى.
فيروس كورونا سيأكل الأخضر واليابس إذا استسلم له الإنسان فهو خطر لم يعد يهدد صحة وسلامة البشر فحسب، بل ينذر بزوال مكتسباتهم من تنمية ونماء وتقدم، بالتالى لا يوجد أمام الإنسانية عدة خيارات بل نحن بصدد اختيارين فقط، إما التعايش مع الوباء مع عدم التهوين من مخاطره الصحية ووضع ضوابط وتشريعات تلزم الفرد بإتباع الإجراءات الاحترازية وهذا بالطبع لحين ظهور الترياق الشافى من الوباء، أو نستسلم للجائحة وينعزل الأفراد وتنعزل الدول، ليواجه كل منا الوباء والجوع والفقر منفردا بجسد هزيل وبطن خاوية.
العودة للعمل بأقصى طاقة ممكنة هو مصل النجاة الذى يمكنه تحصين البشرية من الفناء، فهى معادلة صعبة تطلب وعى من المواطن وضوابط تفرضها الحكومة لتصويب الوعى الجمعى وضبطه، تلك المعادلة التى تسعى لتحقيقها الكثير من دول العالم ومن بينها مصر حيث تتوافر الإرادة السياسية لخوض معركة الصمود أمام الوباء فى ظل الحفاظ على مكتسبات الدولة التنموية وأيضا تحصين المواطن من الجوع والفقر، ليتبقى إدراك الشعب والتزامه بالضوابط التى تتضمن لنا وطن قوى قادر على مقاومة الجائحة.
فلم يعد العالم الآن بحاجة لرفع شعار خليك بالبيت على قدر ما نحن فى حاجة لشعار أكثر قدرة على المواجهة يتضمن الحث على العمل والإنتاج فى ظل التحلى بالمسؤولية التى تنطلق الآن من الحماية الشخصية عبر تطبيق الإجراءات الاحترازية الصحية التى تضمن لنا صحة جيدة وعمل مستمر.