جمال رائف
رغبة تشكيل المحيط الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط جاءت بخريف عربى حاول تبديد المفهوم التقليدى للدولة الوطنية عبر تعزيز النزاعات التى استجابت لها دول مثل "سوريا، اليمن، ليبيا" ومن قبل الصومال، فلم تعد هى وغيرها من الأوطان إلا ساحات للمصارعة الدولية بين القوى المتنافسة على بسط النفوذ والسيطرة على الثروات.
تلك الأطراف التى خلقت لنفسها عصابات وميليشيات مسلحة تعمل على تحقيق أهدافها عبر الحرب بالوكالة تحت سطوة المال تارة، وانقيادا لتأثير الفكرالأيدولوجى المتطرف تارة أخرى، مصر التى تحدت رياح الفوضى لم تكن بمعزل عما يحدث من حولها بل تعرضت لعدة تأثيرات سلبية أثرت على أمنها القومى والذى تعرض لهجمات سواء من الداخل على يد جماعة الاخوان الإرهابية وأعوانها من التكفيريين، أو من الخارج نتيجة تعرض كل الحدود المصرية لتهديدات حقيقية نتيجة الصراع المشتعل بدول الجوار، وتحاول نتائجه السلبية التسلل إلى الداخل لولا تصدى الجيش المصرى لتلك المخاطر.
أن تبقى فى هذا المحيط المشتعل بالنيران من كل جانب أمر فى غاية الصعوبة، يفرض على كل مواطنى الدولة أن يصبحوا محاربين كلٌ فى مجاله فى ظل تعدد المعارك التى يخوضها الوطن بحرب البقاء والوجود التى تحارب من أجلها مصر على كل الجبهات بنفس الروح القتالية والعزيمة والإصرار الذى دوما ما يحقق للوطن النصرالعظيم، ولكن ما هى تلك التحديات ؟!
ويمكن تحديد أهم المعارك التى تخوضها الدولة المصرية كالآتى:
الحرب على الإرهاب والتى بدأت ذروتها منذ أن قرر الشعب المصرى إزاحة جماعة الإخوان الإرهابية عن السلطة بعد أن استولت عليها فى محاولة لخطف الوطن والعصف به داخل دوامة الفوضى والخراب، ومع رحيلهم اشتدت الهجمات الإرهابية التى دعمتها أطراف خارجية مثل تركيا وقطر فى محاولة لعرقلة مسار مصر التنموى، وتحجيم دورها الإقليمى لصالح قوى الصراع الأخرى ما لم يتحقق، واستطاع الجيش المصرى والشرطة بدعم شعبى من دحر الإرهاب عبر تجربة مصرية ارتكزت على ركائز ثلاث هى "المواجهة المسلحة والتنمية والبناء والمواجهة الفكرية".
الحدود وأبعاد الأمن القومى المصرى
باتت أسوار الدولة المصرية تطل على صراعات ونزاعات تكاد نيرانها تلحق بالداخل المصرى، شرقا القضية الفلسطينية والدور المصرى التاريخى والذى يدفعها لتسخير جهودها الدبلوماسية لمساندة الفلسطينين فى كل المحافل الدولية أو عبر إنجاز مصالحة داخلية وإيجاد حل عادل للقضية، وغربا حيث البؤرة الأكثر تهديدا الآن لأمن مصر القومى، وتصديا لهذه التهديدات تستخدم مصر جهودها المختلفة لإيجاد حل سياسى للأزمة الليبية بالتوازى مع دعمها للجيش الوطنى والبرلمان الليبى وهما القوى الشرعية الممثلة لرغبة وإرادة الشعب هناك وتقاوم محاولات تركيا الاستعمارية والتى تسعى للنيل من مقدرات ليبيا، وشمالا حيث البحر المتوسط ممر عبور اللاجئين والهجرة غير الشرعية، وأيضا طريق خلفى لتمرير المرتزقة عوضا على كون المتوسط أصبح ميدانا لحرب الغاز، وقد حققت مصر تجربة مميزة على صعيد التصدى للهجرة غير الشرعية، وإيقاف تدفق الإرهابيين إلى أراضيها، بالإضافة لامتلاكها سلاح ردع بحرى مكنها من الحفاظ على ثروتها.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
وبالنظر جنوبا حيث السودان الشقيق الذى ما زال فى طريقه نحو الاستقرار، وتعمل مصر على مساعدته للمضى نحو الاستقرار والسلام، وتمتد المخاطر جنوبا لتصل لتهديد مقدرات مصر المائية التى تحاول إثيوبيا العبث بها، مما سيؤثر على حقها فى الحياة، وبالنظر نحو الجنوب الشرقى حيث القرن الإفريقى ومضيق باب المندب وصولا للبحر الأحمر، نجد معركة من نوع آخر تتعلق باستقرار وأمن هذا الممر الملاحى الحيوى الذى يضمن بالتبعية سهولة واستمرار الحركة بشريان مصر الاقتصادى قناة السويس.
سد النهضة والتى استغلت إثيوييا فوضى يناير 2011 لتقوم بإنشائه وتريد الآن استغلال انشغال مصر بمعاركها المختلفة لتشغيله وفق رغبتها التى تضر المصالح المصرية مما يمثل تحديا يتعلق بالحق فى الحياة، ولهذا خاضت مصر معارك دبلوماسية شاقة سواء عبر اتفاق إعلان المبادئ فى عام 2015، مرورا بجولات المفاوضات الثنائية والثلاثية والتى ضمت السودان والاستعانة بالمكاتب الاستشارية والفنية حتى وصلت تلك المفاوضات لمحطاتها الأخيرة فى واشنطن والتى كانت برعاية الولايات المتحدة الأمريكية والبنك الدولى.
وحينما شارفت الأزمة على الحل تعنت الجانب الإثيوبى محاولا إعادة الأمور إلى نقطة الصفر، مما دفع الدبلوماسية المصرية بقيادة الرئيس السيسى، وبتحرك فعال من وزير الخارجية سامح شكرى من حشد وتشكيل رأى عام عالمى مساند للدولة المصرية وحقها فى الحفاظ على مقدراتها التى لن يقدر أحد على المساس بها.
أما الجانب الإثيوبى الذى يتحدث طوال الوقت مبررا رغبته فى ملء خزان سد النهضة بأسرع وقت لإنتاج الكهرباء يمتلك حجة واهية، فإثيوبيا لا تمتلك شبكة توزيع لنقل تلك الكهرباء لكل أراضيها، خصوصا وأن السد فى نطاق متطرف باتجاه الحدود السودانية، وهو ما دفعها فى مارس من العام الماضى لتدشين البرنامج الوطنى لتوزيع الكهرباء بقيمة 6 مليارات دولار، ويستهدف المشروع تغطية احتياجات 65% من سكان البلاد، وسيستغرق تنفيذ تلك الشبكة 6 سنوات تنتهى بحلول عام 2025، وهى المدة التى تتناسب مع الطرح المصرى حول فترة ملء بحيرة سد النهضة والتى تتراوح من 7 إلى 10 سنوات، لتنكشف النوايا الخبيثة للتعنت الإثيوبى.
معركة التنمية والبناء والتى ترتبط ارتباط وثيق بكل المعارك السابقة إذ هى جزء من معركة مصر على الفكر المتطرف والإرهاب، كما يعد الحفاظ على مقدرات مصر المائية ضمانه أصيلة لاستمرار الإنجازات التنموية غير المسبوقة التى حققتها مصر على كل المناحى، سواء المتعلقة بالبنية التحتية من طرق وكبارى وأنفاق، أو مشروعات تضمن الأمن الغدائى المصرى، بجانب المشروعات الصناعية والعمرانية العملاقة التى ضخت استثمارات كبيرة بشريان الاقتصاد الوطنى، معركة مستمرة بوتيرة تحطم الأرقام القياسية وتنجز المستحيل من أجل تنمية مستدامة تضمن للأجيال الحالية والمقبلة عيش كريم ومستقبل أكثر تقدما.
بناء الإنسان والتى أولتها التجربة المصرية اهتماما استثنائيا انطلاقا من هدم المناطق الخطرة وبناء مجتمعات سكنية تليق بكرامة المواطن المصرى، وصولا لتحديث منظومة التعليم والصحة، وتدشين منظومة التأمين الصحى الشامل وبرامج الحماية الاجتماعية وغيرها من المجالات التى تساهم فى صنع أجيال جديدة محبة لوطنها قادرة على استكمال معارك الوطن المختلفة.
كورونا والأزمة الاقتصادية العالمية تحديات جديدة اقتحمت الواقع المصرى فى خضم كل تلك التحديات والمعارك الشاقة، اختبار من رب العباد والبلاد، ومحنة يمكن بعزيمة وإصرار أن تتحول إلى منحة ربانية فى عالم جديد يتشكل نتاج تلك المتغيرات المستجدة، ليصبح نجاح الأمم وقدرتها على الصمود يرتبط بمعادلة صعبة، ولكنها ليست مستحيلة تتضمن مكافحة الوباء مع استمرار دوران عجلة الإنتاج، وهو ما سعت له مصر منذ بداية الأزمة لتحقق نجاحا ملحوظا فى تلك المعادلة، ولكنه مرهون بقدرة المواطن على الاستجابة لما أقرته الحكومة المصرية من تدابير احترازية تضمن الانتصار فى معركة أبطالها جيش من أطباء مصر يحاربون تفشى الوباء، ليتعافى الجسد المصرى سريعا ويكمل مسيرته نحو التقدم والنمو.
معركة الوعى التى هى شريك أساسى وفعال فى كل التحديات التى تواجه الدولة المصرية سواء على الصعيد الداخلى أو الخارجى بعد أن بات الوعى الجمعى المصرى مستهدف من الإعلام الموجهة من الخارج، وعبر منصات التواصل الاجتماعى، وحروب العالم الافتراضى التى تستهدف زعزعة ثقة المواطن بمؤسسات دولته وإحباط معنوياته وإيصال الأفكار الانهزامية إلى العقول المصرية، مما يشل قدرتها على مواصلة تجربتها الرائدة التى أصبحت نموذجا يحتذى به.
الوعى المصرى تحصن عبر تجارب خاضها المجتمع قبل 30 يونيو، كادت تعصف بالوطن إلى المجهول مما شكل حائط صد منيع ضد شائعات وأكاذيب أهل الشر، التى تستهدف سهامها فى تلك المرحلة العقول البيضاء من الأجيال الجديدة التى لم تمر بتلك التجارب القاصية، ولكن الواقع دائما ما يهزم الأكاذيب، بالإضافة لما تحققه الدولة من إنجاز ملحوظ على صعيد تطوير أسلحتها المتعلقة بالقوة الناعمة سواء الإعلامية أو الدرامية، فضلا عن سرعة استجابة الدولة للتصدى للشائعات عبر أجهزتها المختلفة، والتى تعمل على الرصد ونفى الأكاذيب عبر بث الحقائق، مما يحبط جهود الهجمات المضللة التى تستهدف الوعى المصرى.
تحديات تتنوع ما بين محاربة الإرهاب والاستمرار فى معركة البناء والتنمية أو تلك التى تهدد الأمن المائى والغذائى أو تحيط بصحة المواطن وغيرها من المعارك والتحديات التى يظل الشعب المصرى الأبى الذى هو بكل فئاته ومواقع عمله فى رباط محققا النصر لوطنه، محافظا على أمن دولته القومى فى الداخل والخارج، وعلى استعداد أن يبذل كل غالى ونفيس ليبقى الوطن وينتصر فى حرب البقاء والوجود.