البث المباشر الراديو 9090
سمية عسلة
بالأمس علق أحد الإعلاميين الأتراك على صفحتى الشخصية قائلًا إن "السراج وتركيا هم الذين انتصروا فى الحرب داخل ليبيا"؛ ما جعلنى أوجه له سؤالًا استنكاريًا فحواه "هل مفهوم الحرب يطلق على نزاع بالشارع بين مرتزقة مأجورين متعددى الجنسيات يقذفون جيشا نظاميا بالحجارة؟ وهل مفهوم الانتصار الذى علمكم إياه أردوغان أن ينجح العنصر الإرهابى من ميليشيات تركيا فى إلقاء قذيفة على كتيبة من الجيش النظامى أو المدنيين العزل ويهرب كالفأر خوفا من أن يقبض عليه ويفتضح أمر الجهات التى تحرضه؟".

عموما كل هذه الإرهاصات لن تثنينا عن قراء تحليلية لما ورد فى "إعلان القاهرة"، الذى أكد فيه الرئيس السيسى على تفعيل الحل السياسى وإعطائه الأولوية، وذلك بانسحاب كافة القوى الخارجية من الأراضى الليبية وعلى رأسهم المرتزقة الممولين من تركيا. ويبقى السؤال هل ستقبل تركيا بهذه المبادرة المصرية لحفظ السلام فى ليبيا؟

فى حقيقة الأمر أردوغان سيرفض حتمًا سحب عناصره الإرهابية الداعمة لفايز السراج من ليبيا، وهذا يعود لعدة أسباب على رأسها أن تركيا لديها مشروع سياسى واقتصادى داخل المنطقة وتطمع فى استعادة الدولة العثمانية المزعومة؛ وهذا ما دعاها مؤخرًا إلى توطيد علاقتها مع الرئيس التونسى قيس سعيد لسببين: أولهما أن أردوغان يعلم أن قيس سعيد يميل لجماعة الإخوان المسلمين أحد أهم ميليشيات أردوغان بالمنطقة، وبرهن على ذلك ما سبق وصرح به رئيس تونس فى أول خطاب له بعد توليه الرئاسة، حيث إنه ترك قضايا وأمور شعبه وأخذ يهتف لدخول الأقصى وتحريره عبر الحدود المصرية، رغم أنه رجل أنهى تعليمه المتوسط ويعلم أن الطريق البحرى عبر البحر المتوسط إلى القدس أسرع وسيحصل على الدعم اللازم من الأسطول التركى وأردوغان الذى طالما "صدعنا" بشعارات حنجورية لتحرير الأقصى وهو من يرسل المساعدات لإسرائيل من جهة ومن ناحية أخرى يفتح بلاده لعناصر حماس لتبنى مؤسسات وظيفتها التجسس على الفلسطينيين، ونقل أخبارهم إلى إيران ولا مانع من تسهيل بعض المصالح السرية للعدو الصهيونى.

عموما.. الجميع يعلم أن الهتافات الحنجورية لتحرير الأقصى ليست سوى تسويق انتخابى ومحاولة لحشد العرب خلف أردوغان وقيس سعيد أصحاب الفكر الواحد، وبالرجوع للسبب الثانى لتوطيد العلاقات التركية مع تونس هو ما شهدنا مؤخرًا من استخدام الحدود التونسية فى تمرير باصات مجهولة الهوية تحمل عناصر مسلحة مختلفة الجنسيات، ممولة من تركيا إلى داخل العمق الليبى، وهم عناصر من القاعدة والعائدين من داعش ممن رفضت بلدانهم الأصلية استلامهم وعناصر من جماعة الإخوان المسلمين وبعض التكفيريين المأجورين لقتال الجيش الوطنى الليبى، وقتل الأبرياء وإحداث الفوضى مما يشكل نوعا من الضغط الداخلى على الشعب الليبى، ومحاولة استدراج الجيش الوطنى الليبى، بقيادة حفتر إلى حروب شوارع لا يستطيع أى جيش نظامى الصمود فيها طويلا.

أردوغان يمكن أن يطلق عليه المثل الشعبى الذى يقول "صاحب بالين كذاب"، فهو يحاول أن يشعل أزمة دولية من أجل السيطرة على أبار الغاز الطبيعى فى المتوسط؛ دعاه الأمر مؤخرا إلى عقد اتفاقية التنقيب عن الغاز مع حكومة السراج الوهمية، وسط رفض عربى ودولى لهذا الانتهاك وصمت إسرائيلى غير مفهوم، ولكنى أعتقد أن هناك وعد تركى لنتنياهو بأنه سيحصل على أنبوب غاز من المتوسط فى حال نجحت تركيا فى الوصول إلى هدفها.

يأتى ذلك بالتوازى مع حشد مرتزقة ممولين من تركيا إلى داخل ليبيا لهدفين، الأول الانتشار على الأرض وصناعة الفوضى والإرهاب ومحاولة تجنيد المزيد من العناصر الليبية لتقوية الصفوف الداخلية للميليشيات المدعومة من أردوغان، والهدف الثانى تحقيق الضغط العسكرى على قوات حفتر وحماية التحركات التركية على الأرض وما تستحوذ عليه أثناء تنقيبها عن الغاز الطبيعى، مع العلم أن كل ما سلف ذكره سيمهد الأرض لانتشار تركى واسع فى ليبيا وتجنيد مزيد من العناصر الإرهابية ليصبحوا سلاحًا بيد تركيا يوجهونه أينما وكيفما أرادوا ولتصبح بعد ذلك المناطق الحدودية بين مصر وليبيا نقطة ساخنة تتحكم فيها تركيا بعد أن تسيطر على ليبيا، وتكمل طريقها باتجاه مصر لتحقيق مخطط الخليفة المزعوم أردوغان ودولته العثمانية، التى يسعى لاستردادها ومصر جزء مهم فيها.

فقد كانت خطوة ذكية من القيادة السياسية المصرية بأن تعطى مهلة لكل العناصر الأجنبية للانسحاب من ليبيا وتفعيل الحل السياسى، وبعدها بساعات قليلة أعلنت السعودية والإمارات والأردن وفرنسا وإيطاليا وأمريكا تأييدها للمبادرة المصرية، ومع أننا جميعا نعلم أن قطر وتركيا والسراج سيرفضون هذه المبادرة خوفًا على مصالحهم وأجنداتهم الشخصية، إلا أنها خطوة حكيمة من القيادة المصرية التى تمتلك القوة العسكرية الغاشمة، ولكنها دائما ما تعطى الأولوية للحل السياسى أولًا بما يحفظ الأمن والاستقرار، ويحقن الدماء فى المنطقة.

فالقيادة المصرية وجهت ضربة سياسية قوية لمحور الشر الثلاثى قطر الممول الرئيسى وتركيا والسراج واليوم سيشهد العالم كله على أن محور الشر الثلاثى يرفض الأمن والاستقرار فى ليبيا وينتهك القانون الدولى ويعتدى على أراضى وثروات الغير.

وسيشهد العالم أيضا على أن مصر صاحبة الدور المحورى والبناء فى ليبيا وأنها دائما ما تفعل الحلول السياسية، رغم امتلاكها للقوة الغاشمة لأن القيادة المصرية تضع فى أولوياتها حقن الدماء وإرساء الأمن والاستقرار والحفاظ على علاقات دولية متزنة، واحترام الجوار والقوانين الدولية وكل ما سلف ذكره تقوم تركيا وقطر بانتهاكه كل يوم ومع كل عنصر مسلح يزج إلى الأراضى الليبية براتب شهرى يقدر بـ 2000 دولار وبعد أن يتلقى تدريبه على الحدود التركية السورية وبمنطقة تبعد 30 كيلو متر فقط عن الحدود التركية، وهى نفس المنطقة التى وجدوا فيها أخت أبو بكر البغدادى وعائلته وهذا ما يؤكد للجميع أن الإرهابيين وأسرهم يتخذون من المناطق الحدودية مع تركيا مناطق آمنه لهم بعلم ومباركة ورعاية أردوغان.

وهذا أمر آخر يجعلنا متأكدين أن أردوغان سيرفض المبادرة المصرية لإحلال السلام فى ليبيا، فيكفى أن نقول أن بلال ابن رجب طيب أردوغان لديه 4 شركات ملاحة تقوم بنقل النفط من مناطق نفوذ داعش وبيع النفط المسروق ليدخل خزائن أردوغان وعائلته، التى لم تكتفى بنهب خيرات تركيا وبيع أراضى الدولة المطلة على البسفور إلى الشيخة موزه والدة تميم بن حمد أمير قطر، بل إن فساد وإجرام عائلة أردوغان وصلت حد الاتجار فى نفط وغاز الدول المنكوبة التى تقع تحت سيطرة الجماعات الإرهابية، وهذا يجعلنا نرى سببًا آخرًا لإصرار أردوغان على رعاية ودعم الجماعات الإرهابية وهو أنه يجعلهم يعملون لصالح خزائنه الشخصية عن طريق السرقة والتجارة غير المشروعة فى بعض الدول.

مجمل القول أن إعلان القاهرة جاء ليفضح النوايا والمواقف الخبيثة لثلاثى الشر قطر وتركيا والسراج، ويؤكد للعالم كله أنهم يرفضون أى مبادرة للسلام وحقن الدماء ويجعلون النهب والتعدى على أراضى الغير وسرقة ثرواتهم على رأس أولوياتهم الخبيثة، وتبقى مصر صاحبة الدور الأساسى الداعم للاستقرار فى المنطقة، وحفظ دماء الأبرياء والشريك الأساسى فى تعمير وبناء الشقيقة ليبيا.

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز