سمية عسلة
هذا ما اعتبره المواطن العربى تحولًا مفاجئًا فى موقف أردوغان المتعنت وتصريحاته الهجومية خلال الفترة الماضية على مصر وصلت حد التبجح فى إعلان رفض تركيا لـ "إعلان القاهرة" الساعى لاستقرار الأوضاع فى ليبيا وتفعيل الحل السياسى والحفاظ على أرواح ومقدرات الشعب الليبى بانسحاب كل الأطراف الخارجية وترك حق تقرير المصير لليبيين.
السؤال الذى يطرح نفسه حاليا ما الأسباب الخفية التى أدت إلى تراجع الخطاب التركى المتعنت الذى لم يخلُ أبدا من الغباء السياسى، مما جعل البعض يعلل هذا الغباء بشرب قادة النظام التركى وعلى رأسهم أردوغان لـ"حليب الحمار" وهو مشروب رائج فى تركيا وقطر.
أسباب تراجع تركيا وتوددها إلى مصر الآن كثيرة، فمنذ ساعات أعلنت إيطاليا واليونان اتفاقية إعادة ترسيم الحدود بينهما وهو أمر لو تعلمون عظيم، فمنذ سبعينات القرن الماضى والدولتان فى نزاع وخلاف مستمر حول ترسيم الحدود البحرية بينهما.
هذه الخطوة تعد ركلة قوية لأردوغان، فمصر وليبيا واليونان وإيطاليا علمت حدودها جيدا وتمت عملية الترسيم بشكل قانونى واتفاقيات دولية يباركها المجتمع الدولى، على العلم أن أردوغان حاول سابقا وقبل اتفاقه مع السراج أن يعرض على اليونان ترسيم الحدود بينهما واستبعاد باقى الأطراف، ولكن وزير خارجية الأخيرة رفض ونعت أردوغان بـ "الرجل الغبى".
وهذا يأخذنا الى منحنى آخر فبعد ركل أردوغان ونجاح اتفاقية ترسيم الحدود اليونانية الإيطالية أصبح وضع أردوغان حرجًا ومخزى بالمنطقة، وأصبح العالم يسأل ما ذريعة بقاء التواجد التركى فى ليبيا خصوصا وأن اتفاقية الدفاع المنعقدة بين السراج وأردوغان لاغية وغير قانونية، ببساطة لأن السراج لا يمثل ليبيا فهو معين من الأمم المتحدة وغير منتخب بخلاف رفض مجلس النواب الليبى لهذه الاتفاقية الدفاعية مما ينزع عنها الشرعية التى تروج لها تركيا لتبرر تواجدها العسكرى على الأرض الليبية.
لا أخفى عليكم أن أردوغان يعى المأزق الذى وضع نفسه فيه أمام المجتمع الدولي، لذلك أرسل 40 مدرعة و40 دبابة تركية متهالكة إلى ليبيا ومعهم عددا من ضباط المخابرات التركية لحفظ ماء الوجه، وبذريعة دعم اتفاقية الدفاع غير الشرعية مع السراج.
ولكن أردوغان الآن فى أزمة أكبر، خصوصا وأنه تأكد أن موقفه أصبح ضعيفا والعالم يدينه، وأصبح أمام تحدى من نوع آخر فكيف له وهو الطرف الخاسر أن يدفع رواتب الميليشيات التابعة له وللسراج.
وماذا سيقول لشعبه عندما يسأله عن استمرار دعمه للميليشيات فى ليبيا رغم أن الوضع انقلب ولم يعد لصالحه، فكيف يصرف أموال الشعب التركى ليحمى كرسى السراج واستمراره فى الحكم، فى حين أن تركيا أصبحت وبإجماع دولى خارج اللعبة ولن تكسب أى شىء من دعم مرتزقة السراج سوى أن الأخير سيبقى فى السلطة بما يخدم مصالحه الشخصية وحده بعيدا عن تركيا التى دعمته منذ البداية، وذلك ما دعا أردوغان إلى التراجع عن تقديم الأموال والرواتب الشهرية للمرتزقة وأمر السراج بأن يسدد هو مرتبات المرتزقة التابعين له وتقدر بـ 750 دولار شهريا لكل إرهابى داخل الميليشيات المختلفة السورية منها والليبية، على العلم أن الميليشيا السوريه تحتوى على 20 ألف مقاتل جاء بهم أردوغان من سوريا ليهاجموا الجيش الوطنى الليبى ومنهم أطفال لم يتجاوز عمرهم 17 عاما، وهى جريمة أخرى تضاف إلى سجل الجرائم بملف أردوغان.
هذا الأمر يقودنا إلى سبب آخر لتراجع حدة الخطاب التركى الذى طالما كان أرعن ويتمتع بالغباء السياسى ولن نظلم الحمار وحليبه هذه المرة، بل إن التراجع التركى الآن متعلق أيضا بحالة التفكك والصراعات الداخلية التى تشهدها الميليشيات، فقد تم رصد نزاع حاد أدى إلى القتل بين عناصر الميليشيات الليبية والميليشيات السورية إذ اعتبر الليبون أن السوريين أتوا ليتقاسموا معهم فى الغنائم والمسروقات المالية والنفطية وغيرها.
وهذا يؤكد أن هؤلاء ما هم إلا عصابات شوارع هدفها الوحيد السرقة ونهب ثروات ليبيا وعلى رأسهم أردوغان والسراج اللذان أتوا بهم إلى داخل ليبيا بعد تدريبهم بالمناطق الحدودية بين سوريا وتركيا، والأهم أن ذلك يدل على أن إعلان القاهره كان له الدور القوى فى تعرية ضمائر السراج وأردوغان والممول قطر، والتى شاء المولى أن يفضح أمرها وتعجز عن دعم ميليشيات ليبيا حالياـ وبعد أن قدم مستشارين بارزين فى أمريكا أوراقا للكونجرس تثبت تورط تنظيم الحمدين فى دعم الإرهاب داخل أمريكا وخارجها، بالإضافة إلى حالة العجز الاقتصادى فى قطر والتى أدت إلى بيع 5 طائرات من أسطولها لسد العجز المالى.
ولا يمكننا تجاهل أن هناك أتراك ذيولا لأردوغان كانوا يعولون على الدعم الروسى له فى ليبيا تطبيقا لنظرية "سيب وأنا اسيب" بأن يتراجع أردوغان فى سوريا وتدعمه روسيا فى ليبيا، وهذه حماقة أخرى، وأعتقد أن لها علاقة بالإسراف فى تناول حليب الحمار من قبل اتباع أردوغان.
فكما هو معروف أن بوتين يقف على مسافة واحدة من كل الأطراف، ولنا فى الملف الإيرانى المثل والعبرة، فسريعا يمكننى أن أقول وبشكل مختصر للتوضيح، إن بوتين له تصريح منذ عدة شهور لمن يقرأ ويركز جيدا حين قال "لن نسمح بضرب إيران وسنحافظ على أمان إسرائيل" وهذا يعنى أنه على مسافة واحدة من طرفين متصارعين ولكن كلاهما أصدقاؤه، فهل فهمتم كيف يدير بوتين علاقاته الدولية؟
مجمل القول إن تراجع الخطاب التركى وسعى أردوغان للجلوس مع مصر على طاولة واحدة لم يكن أمرًا اختياريًا بيد أردوغان، بل إن غباءه السياسى فرض عليه ذلك و جعله يرفض إعلان القاهره منذ البداية، ليعرى وجهه الحقيقى الداعم للإرهاب والطامع فى ثروات ليبيا من نفط وغاز طبيعى، وتعنته فى مهاجمة المبادرة المصرية ورفض ما جاءت به من تفعيل للحل السياسى حفاظا على أرواح ومقدرات الشعب الليبى جعل العالم كله وعلى رأسهم أوروبا وأمريكا والرباعى العربى والأردن يأيدون المبادرة المصرية ويتخذون خطوات فعلية من أجل نزع الخطر التركى عن ليبيا وشرق المتوسط.