البث المباشر الراديو 9090
د.رانيا أبو الخير
رغم ما يواجه العالم اليوم من أزمة لا تزال حلقاتها مستحكمة بل تزداد شدتها مع بدء ظهور فيروس كورونا فى الصين مرة أخرى بما يهدد بموجة جديدة من تأثيراته، إلا أن العالم لن يستطيع أن يتوقف عند تلك الجائحة دون الاهتمام بواحدة من أهم التهديدات لأمنه واستقراره وهو الإرهاب، مؤكدا بذلك صحة ما سبق أن حذر منه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى العديد من كلماته بضرورة الانتباه ألا تشغلنا مواجهة الفيروس وخطورته عن الإرهاب وجرائمه.

إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا

ولذا جاء المرجع المنهجى الذى أصدره حلف الناتو لأول مرة لمكافحة الإرهاب، ليضع أمام الشركاء والمهتمين والخبراء، الرؤى والسياسات والإجراءات الهادفة إلى تعزيز قدراتهم وتحسين خططهم لمكافحة الإرهاب، إذ ساهم فى إعداد هذا المرجع أكثر من 100 خبير فى مجال مكافحة الإرهاب.

وغنى عن القول إن هذا المرجع قد تضمن المفهوم المشترك للعمل مع الناتو فى مجال مكافحة الإرهاب، إذ حرص التقرير فى مقدمته التأكيد على أن نجاح الحلف فى مواجهة الإرهاب رغم خبراته التى اكتسبها منذ أحداث الحادى عشر من سبتمبر 2001، لا يمكن أن تتحقق إلا بالتعاون المشترك مع الدول والمنظمات والأكاديميات المعنية بقضايا الإرهاب وكيفية مواجهته، مع التركيز بصفة رئيسية على دور التعليم فى مكافحة الإرهاب، فقد تصدرت مقدمة التقرير مقولة لـ "ملالا" الناشطة الباكستانية فى مجال تعليم الإناث والفائزة بجائزة نوبل بأنه "بالبنادق يمكنك قتل الإرهابيين، بالتعليم يمكنك أن تقتل الإرهاب".

من هذا المنطلق، يمكن القول إن المرجع المنهجى الجديد الذى أصدره حلف الناتو، حمل بعدين مهمين: الأول، أن إقدام حلف الناتو على وضع مرجع منهجى فى هذا التوقيت يؤكد على أن الإرهاب كعدو للإنسانية لا يزال يمثل الخطر الأول والتهديد المستمر، بما يستوجب العمل الدؤوب من الجميع لكيفية مواجهته واجتثاث جذوره وكشف شبكاته وتمويلاته، وهو ما يعنى أن الجهود المصرية الراهنة فى مواجهة الإرهاب إنما تصب فى المقام الأول ضمن إطار الجهود الدولية، وأن الدعم الدولى والإقليمى لما تقوم به مصر من مجهودات متميزة ضد التنظيمات الإرهابية إنما يصب فى المصلحة الدولية وليس المصلحة الوطنية فحسب.

وهو ما يصدق عليه القول إن مصر تحارب الإرهاب نيابة عن العالم بأسره، وأن رسائلها التحذيرية التى سبق وأن أعلنتها عن ضرورة الكشف عن القوى الدولية أو الإقليمية التى تدعم الإرهاب، تظل هى المرتكز الرئيس فى ضمان نجاح أى استراتيجيات هادفة إلى محاربة ذلك الإرهاب الأسود.

أما البعد الثانى يتعلق بأهمية الربط الذى أشار إليه التقرير فيما يتعلق باستراتيجية مكافحة الإرهاب والمتعلق بدور العملية التعليمية كآلية ضامنة وفعالة فى مواجهة الإرهاب فكرا وعملا.

والحقيقة أنه رغم الأهمية التى يحظى بها هذا المرجع المنهجى الذى أصدره حلف الناتو، إلا أنه يفتقد أمرا فى غاية الأهمية يتمثل فى إغفاله أو صمته تعمدا عن دور بعض أعضاءه فى دعمهم للإرهاب والإرهابيين، ويعنى بها تحديدا تركيا التى توسعت عملياتها وتحركاتها الداعمة للتنظيمات الإرهابية سواء فى جوارها المباشر كما هو الحال فى العراق وسوريا، أو فى بعدها الجغرافى كما هو الحال اليوم فى ليبيا.

فإذا كان الحلف يصدر تقريرا لمكافحة الإرهاب، فالأولى لديه أن يواجه دوله وأعضاءه التى كانت ولا تزال تدعم الإرهاب بكل السبل والطرق، وهو ما يفقد الحلف وتقريره مصداقيته عالميا، ولا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل أن بعض سياسات الحلف وتحركاته تزيد من الشكوك حول هذه المصداقية أيضا ولعل دوره فى الأزمة الليبية عام 2011-2012 يدلل على ذلك.

نهاية القول إنه من السهولة بمكان على أى مؤسسة أو منظمة أن تصدر تقريرا جيدا يتضمن رؤى ومقترحات وسياسات متميزة عن الإرهاب ومكافحته، إلا أنه من الصعوبة أن تتحول هذه الرؤى والمقترحات إلى سياسات وإجراءات وخطوات تنفيذية تنجح فى المكافحة الحقيقية لواحدة من أخطر التهديدات للإنسانية جمعاء، وهو ما يجعل النظر إلى المرجع المنهجى الذى أصدره الحلف مجرد ذر للرماد فى العيون حتى يقال أنه قد أدى المطلوب منه، وهو فى ذلك يخالف طبيعة دوره الرئيسى، لأنه ليس مؤسسة أكاديمية أو بحثية يقتصر دورها على إصدار الدراسات والبحوث، وإنما دوره الرئيسى فى حماية الأمن والاستقرار ومواجهة التهديدات، فهل هذا هو الدور الجديد للحلف فى ظل عالم تتشكل أقطابه وعلاقاته ما بعد جائحة كورونا؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز