جمال رائف
هذا بعد أن عادت الغرفة الثانية للبرلمان المصرى، باستحقاق دستورى يجعل من الشيوخ بيت خبرة ومرجعية سياسية واقتصادية تُعاون متخذى القرار على تخطى تحديات الوطن، مرتكزًا على الآراء الوطنية البناءه النابعة من حكمة الشيوخ وتطلعات الشباب.
رفضت مصر استيراد التجارب الديمقراطية المعلبة من الخارج، التى حملتها رياح الخريف العربى لمنطقة الشرق الأوسط، وقررت صنع تجربتها الخاصة بما يتوافق مع معطياتها السياسية والاقتصادية وأيضًا الديمغرافية، كما أنها لم تدخل فى جدلية التنظير السياسى المتعلق بأيهما يسبق التنمية الاقتصادية أم التنمية السياسية؟.
استطاعت الإدارة المصرية تحقيق التوازن المطلوب للمرور بإصلاحات سياسية بعد ثورة 30 يونو، توازت مع تلك الإصلاحات الاقتصادية، إذ استطاع الشعب صياغة دستوره وانتخاب رئيسه واختيار نوابه وإحداث تمكين للشباب والمرأة وإحداث إصلاحات تشريعية فى نفس الوقت الذى كانت فيه التنمية الاقتصادية مستمرة والمواطن يشارك فى برنامج الإصلاح الاقتصادى بتحمله تبعاته، بينما كان العمال أمام ماكينات المصانع والزراع يحرثون الحقول والبناءون يشيدون المساكن ويعمرون الصحراء بالمدن الجديدة ويشقون الطرق ويرفعون الكبارى وأيضا يحفرون الأنفاق.
إنفوجراف : روشتة هانى الناظر .. 10 خطوات تحميك من كورونا
ومن هنا تأتى عظمة التجربة ويظهر مدى احترافية وقدرة القيادة السياسية متمثلة فى الرئيس عبد الفتاح السيسى وقدرته على قيادة الدولة المصرية نحو صياغة نموذج مصرى خالص يستوجب الدراسة، بل إنه سيُصبِح فى المستقبل القريب محلاً للتنظير والتأصيل بمختلف مجالات العلوم السياسية والاقتصادية كأول تجربة إفريقية وعربية لها ملامحها الخاصة.
صاغت مصر دستورها عام 2014 وفق متطلبات المرحلة حينها، والتى كانت تستوجب ترتيب البيت المصرى من الداخل وإعادة تثبيت مؤسسات الدولة وتطويرها بما يتواكب مع تطلعات المواطن، ولم يكن هناك حاجة ماسة للغرفة الثانية فى البرلمان المصرى لتتركز جهود المؤسسة التشرعية على إنجاز القوانين المكملة للدستور والتشريعات اللازمة للعبور بالوطن من تلك المرحلة الصعبة والمتعلقة بدعم وتثبيت ركائز الدولة.
أما الآن وقد ارتكزت التجربة المصرية على أرض ثابته وتعاظمت التطلعات وتعددت التحديات فوجدت الحاجة لوجود غرفة استشارية دائمة توفر على الدولة عناء تشكيل بعض اللجان لإبداء الآراء خاصة فى الموضوعات التى تحتاج خبرات فنية متخصصة سواء على الصعيد التنموى والاقتصادى أو على صعيد سياسة مصر الخارجية خصوصًا فيما يتعلق بالإطار الإقليمى سواء العربى أو الإفريقى.
وأعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات فتح باب الترشح لعضوية مجلس الشيوخ، هذا الباب الذى يتيح أيضًا عبور الشباب فوق سن 35 للفوز بهذا الاستحقاق الانتخابى فيما يعد تميز إيجابى للشباب يتناسب مع إستراتجية الدولة المتعلقة بتمكين الشباب وتوليهم مناصب قيادية متعددة ومتنوعة، وهو أمر يساهم فى خلق مزيج فكرى داخل أروقة المجلس يجمع بين حماسة الشباب وتطلعاتهم وبين حكمة وخبرة من هم فوق هذا السن.. ولكن يبقى السؤل ماذا يريد الشباب من الشيوخ؟ وماذا يريد الشيوخ من الشباب؟
مجلس الشيوخ وظيفته استشارية وقد اعتمدت بعد التجارب فى مختلف دول العالم على رفع سن أعضاءه بغرض توافر شرط الخبرة، ولكن معطيات التجربة المصرية تتماشى أكثر مع تحديات الوقت الراهن خصوصًا أن الشباب كناخبين كان يجب تحفيزهم نحو المشاركة فى تلك الممارسة الانتخابية عبر إيجاد أصوات تعبر عن رغباتهم وطموحاتهم وهو ما سيعطى زخمًا للعملية الديمقراطية ويمنحها الحيوية ويجعلها أكثر تنافسية أما على صعيد المرشح الشاب.
هناك حمل ثقيل يتمثل فى مواجهة خبرات منحها العمر المزيد من الوقت لاكتساب العديد من العلوم، كما أنها مرت بالكثير من التجارب والأحداث ما منحها مخزون فكرى كبير وهو ما يتطلب من المرشح الشاب أن يدرك أنه فى تحدى كبير يتطلب العمل الدؤوب والقدرة على الاستفادة من تلك الخبرات بجانب ما لديه من مخزون علمى وثقافى وإطلاع على مستحدثات الوقت الراهن لتكوين رأى سديد فى مختلف القضايا التى هى محل اهتمام المجلس مثل ما يتعلق بخطة الدولة التنموية وإبداء الآراء فى مشروعات القوانين والتعديلات الدستورية إذا لزم الأمر أيضًا ما يتعلق بقضايا مصر الخارجية وبالتحديد الإقليمية منها على الصعيد العربى والإفريقى، وربط كل هذا عند طرح الرؤى بالتحديات المستجدة المتعلقة بالحروب السيربانية والتطور التكنولوجى والرقمى والمواجهات الإعلامية والفكرية وغيرها من الأمور التى هى من سمات العصر وأصبحت تؤثر على مختلف القضايا المحلية أو الدولية.
الشيوخ ليس نزهة سياسية بل هى مهمة شاقة تطلب من الناخب وأيضا المرشح تقدير المجهود المصرى الذى بذل عبر مسار التجربة المصرية حتى نصل إلى هذا الاستحقاق الديمقراطى عبر انتخاب خبرات وكفاءات لديها العلم والخبرة وأيضًا الابتكار ما يمكنها من أداء تلك المهمة الاستشارية الهامة والتى ستوفر على الدولة الكثير من الجهد والمال بتقديم المشورة والتى تعين صانع القرار على أداء مهمته، فلنكن جميعًا على قدر هذا الحدث ليخرج مجلس الشيوخ إلى النور بروح مصر الشابة العفية القادرة على اجتياز تحدياتها والنصر فى جميع معاركها بإرادة الله الذى قدر لهذا الوطن البقاء وبعزيمة شعب يجتاز الصعاب لتحيا مصر.