د. أحمد سلطان
وقد كانت البداية الأولى لتطور الحياة النيابية فى مصر مع إنشاء المجلس العالى الذى أسسه محمد على فى نوفمبر 1824، وكان يتكون مـن نظار الدواوين واثنين من الأعيان من كل مديرية يقوم أهالى المديرية بانتخابهما، بعد ذلك قام محمد على فى عام 1829 بإنشاء مجلس المشورة وكان يتكون من مائة وستة وخمسين عضواً، وجعل رئاسة هذا المجلس لابنه إبراهيم.
وكان هذا المجلس يعقد مرة واحـدة فى السنة لاستشارته فى مسائل التعليم والإدارة والأشغال العمومية، وأيضا الشكايات التى كانت تقدم إليه لتقديم الحلول المناسبة لها، إلى أن جاء الخديوى اسماعيل فى عام 1866 ليقوم بإنشاء أول برلمان نيابى تمثيلى بالمعنى الحقيقى وهو مجلس شورى النواب وتطور بعد ذلك عبر مراحل متوالية حتى إعلان دستور 1923 ذلك الدستور الذى مثل نقلة نوعية على طريق إقامة الحياة النيابية الصحيحة فى مصر، وقد تكون البرلمان فى ظل ذلك الدستور من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، ومع تولى الرئيس الراحل محمد أنور السادات الحكم فى سبتمبر 1971 صدر الدستور المصرى الدائم والذى بدأت معه مرحلة جديدة من تاريخ مصر الحديث والمعاصر، وفى ظله تم الاستفتاء فى أبريل 1979 والذى بمقتضاه تم إنشاء مجلس الشورى وعقد أولى جلساته فى نوفمبر 1980 ويقع مجلس الشورى المصرى فى القصر الذى بنى فى العام 1866 من قبل وزير المالية فى عهد الخديوى إسماعيل، القصر الذى خصص لاحقا كمقر لمجلس الشيوخ المصرى السابق فى ظل دستور العام 1923، والذى ظل حتى قيام ثورة يوليو 1952، ومعه عادت فكرة وجود مجلسين تشريعيين فى الحياة النيابية المصرية، إلى أن كتبت لجنة الخمسين لتعديل الدستور كلمة النهاية فى تاريخ مجلس الشورى بعد ثورة 30 يونيو وأنهت مسيرته التى دامت لأكثر من 42 عاما ظل خلالها معدوم الفائدة، ولكن مع الوقت اثبتت تجربة الغرفة التشريعية الواحدة عدم جدارتها نظرا لأن مجلس النواب أثقل بقوانين كثيرة فى أعقاب الثورات حيث أصبحنا بحاجة إلى الكثير من القوانين فى كل مجالات الحياة.
مجلس الشيوخ المصرى والذى انطلقت أولى مراحل ميلاده من جديد بقبول طلبات الراغبين فى الترشح لعضويته وإغلاقها السبت الماضى هو خطوة جديدة نحو ترسى مسيرة الديمقراطية ومبدأ السيادة للشعب وعودة للغرفة البرلمانية الثانية مع مسار ديمقراطى جديد وضمانات لنزاهة برلمانية بعد غياب 7 سنوات وهو مجلس تقرر إنشاؤه ضمن التعديلات الدستورية التى وافق عليها الشعب المصرى فى عام 2019 كبديل لمجلس الشورى الذى تم استبعاده من المشهد السياسى عام 2014 وحيث أصدر الرئيس عبدالفتاح السيسى فى 2 يوليو الحالى قانونا بتنظيم مجلس الشيوخ الجديد برقم 141 لسنة 2020 والذى جاء إعمالا للتعديلات الدستورية المستحدثة مؤخرا على دستور 2014، وأن الذهاب إلى انتخاب مجلس الشيوخ خلال الشهر المقبل يمثل خطوة أساسية على طريق استكمال البناء الوطنى من أجل توسيع الممارسات البرلمانية عبر غرفتين الأولى هى مجلس النواب والثانية هى مجلس الشيوخ وايضا إعادة تنشيط الحياة السياسية من خلال فتح نوافذ جديدة للتعبير عن نبض الشارع والمواطن المصرى ولصناعة إداة جديدة من إدوات الرأى العام التى تتوفر لديها الحكمة والعلم والخبرة ومن أجل بناء جسر قوى بين مؤسسات النظام والرأى العام ولتحقيق المعادلة المنشودة وهى التفاعل بين المطالب الشعبية المشروعة وبين القدرات الحكومية المتاحة.
وأخيرا وليس آخرا، مجلس الشيوخ، من الاسم يتبين لنا أننا بصدد تشكيل من الحكماء وأصحاب الرؤى الوطنية الصادقة ومن هنا أرجو أن يخلو الجو الانتخابى من صغائر الأمور التى طالما أساءت للمشهد الانتخابى وللحياة السياسية والتى أصابت المواطن المصرى فى الماضى بالنفور من المشاركة فى الانتخابات البرلمانية وقتلت المصداقية فى الحياة البرلمانية، فلا طريق إلى استمرار ممارسات خاطئة لا تخلو من موروث عفن وحافل بشراء الأصوات وكسر القواعد المنظمة للعملية الانتخابية، فالوطن بحاجة ملموسة إلى مجلس للحكماء والخبراء أصحاب الأفكار المنيرة وإطار يتسع للجميع ولكل صاحب فكر وقلب محب للوطن والذى أصبح مؤهلا بعد تسع سنوات من ثورات متتالية ساحة مفتوحة لاستيعاب كل الأفكار والآراء المتنوعة والتى تصنع فى النهاية إرادة قوية وطنية تكون عونا للقيادة السياسية وليس عبئا عليها.