سمية عسلة
وبدا واضحا أن الميليشيات متعددة الجنسيات دخلوا مرحلة تصفية الحسابات فى ما بينهم، كان نتاجها سقوط عدد من القتلى فى أثناء مواجهات بضاحية جنزور بالعاصمة طرابلس ومصيف النورس فى مدينة مصراتة، وبعض المجازر الأخرى التى وقعت على بعد مئات الأمتار من مقر البعثة الأممية للدعم فى ليبيا، بالإضافة إلى منطقة جنزور التى شهدت مقتل 9 مسلحين وإصابة 12 آخرين، بسبب الصراع على محطة وقود.
ليست هذه المرة الأولى للنزاع على الغنائم والثروات الليبية، ففى الفترة الأخيرة شاهدنا تسريب يحمل اعترافا لمجموعة من المرتزقة السوريين، ممن أرسلهم أردوغان إلى ليبيا بأنهم تعرضوا لعملية نصب من قبل أردوغان، الذى وعدهم براتب 2000 دولار ولم يتقاضوا سوى بضع ليرات لا تسمن ولا تغنى من جوع.
وأثار الصراع على الرواتب الشهرية المقدمة من تركيا أزمة بين ميليشيات السراج الليبيين والميليشيات متعددة الجنسيات الأخرى التابعة لأردوغان والبالغ عددهم 3800 إرهابى، مما أدى إلى تراجع وهروب العناصر التابعة لأردوغان من ليبيا، بسبب انحسار الدعم المالى وعجز إسطنبول عن تسديد الرواتب الشهرية المتفق عليها مع المرتزقة.
والسؤال الذى يطرح نفسه هل أردوغان مستعد لتعويض 3800 عنصر إرهابى مسلح هارب من ليبيا، أو أن يجد لنفسه عناصر احتياطية للزج بهم بليبيا فى ظل هروب آلالاف ممن سبقوهم، وهذا ما يجعلنى أعرض على أردوغان فكرة استبدال المرتزقة الهاربين بقطيع من "الحمير المقاتلة"، بما أن الحمار استطاع أن يثبت جدارته فى الحرب العالمية الثانية التى انهزمت فيها الدولة العثمانية، وكان الحمار حينها يستخدم فى حمل جثث القتلى والمعدات الحربية وتفادى الألغام، فلما لا يتحرك أردوغان بإرسال جيش من الحمير المقاتلة إلى ليبيا لعله يحقق تقدما واضحا على الأرض، ولو بصوت نهيق الحمير حين تدخل مرعى جديدا عليها.
وكانت التقارير الأمنية أكدت أن هناك اشتباكات اندلعت بعد قتل مسلحين تابعين لكتيبة "الأمن المركزى أبو سليم" التابعة للوفاق لحامد أبوجعفر "الكبش"، شقيق آمر كتيبة فرسان جنزور، وقاد شقيق القتيل عملية تصفية للقاتل ويدعى محمد فكار وشقيقه، لتتسع المعركة بعد ذلك على بعد أمتار من مقر البعثة الأممية للدعم، التى أعربت عن قلقها من الحادثة والتى أكدت، فى بيان، أن "وقوع هذه الاشتباكات يؤكد ضرورة تحرك حكومة الوفاق بسرعة نحو إصلاح فعال للقطاع الأمنى، بالتزامن مع نزع سلاح المجموعات المسلحة وتسريح وإعادة دمج عناصرها"، وأدانت البعثة الأممية هذه الاشتباكات ووصفتها بـالأعمال الطائشة، التى تعرض حياة المدنيين للخطر المباشر.
وفى مدينة مصراتة، حدثت اشتباكات مسلحة بين منتمين لقبيلتى المعدان والشراكسة، ما أدى إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى، فالمعركة بدأت من مصيف النورس الشاطئى نتيجة صراع من أجل السيطرة عليه، وتأجير المظلات الموجودة به للمصطافين، مما أدى إلى سقوط أربعة قتلى وخمسة جرحى، فى ظل مخاوف من اتساع المعارك وتنامى الدعوات للثأر والانتقام، وفى مدينة الزاوية اتسعت رقعة الاشتباكات المسلحة بين الميليشيات، ما يدل على فشل حكومة الوفاق منتهية الصلاحية فى تحقيق هدفها منذ دخولها للعاصمة، وهو عقد اتفاقيات مع الميليشيات المسلحة لتسهيل عملها داخل العاصمة، وضمان أمنها مقابل منحها دورا فى المشهد.
وسعت حكومة الوفاق فى وقت سابق الى تعيين أحد أبرز أمراء الحرب فى طرابلس، الإرهابى عبدالغنى الككلى، آمر ميليشيا الأمن المركزى، فى منصب دبلوماسى بإحدى دول الجوار، مقابل موافقته على التخلى عن قيادته للميليشيا، ما أثار الطمع وجعل أغلب أمراء الحرب يتخلون عن ميليشاتهم بشرط حصولهم على مناصب دبلوماسية لتجنب عدم الملاحقة القانونية، والانتقال للإقامة فى دول أخرى حيث يودعون فى خزائنها ثرواتهم التى حصلوا عليها السنوات الأخيرة من الخزانة التركية والقطرية.
ويبدو أن السحر انقلب على الساحر، وشاهدنا جميعا استعراض قامت به ميليشيا "ثوار طرابلس" بهدف الضغط على حكومة السراج لتحقيق مطالبهم، التى تقدم بها آمرها هيثم التاجورى، ومنها منحه منصبا مهما فى إحدى السفارات الليبية بالخارج.
واتسعت رقعة التصفيات الجسدية بين الميليشيات التابعة لأردوغان، لتشمل أحمد سعد الصغير، الملقب بالذيب، والذى عثر على جثته ملقاة فى جزيرة غوط الشعال بطرابلس، وكان أحد أهم العناصر الموالية لإسطنبول، ومن بعده عملية تصفية المليشياوى رضا على القيرة من قبل، وهو أحد عناصر مليشيا "ثوار طرابلس" الموالية لتركيا، وتمت تصفيته من قبل مجموعة مجهولة، ما يؤكد وجود احتقان وغضب فى أواسط مليشيا ثوار طرابلس.
نهايةً، إن إردوغان يعيش أزمة حقيقية بليبيا فى ظل الانشقاقات وعمليات التصفية الجسدية بين أتباعه من المرتزقة، الذين يحاربون فى صفوف السراج، بل إن الصفعة الأقوى التى تلقاها أردوغان تتمثل فى نجاح الدبلوماسية المصرية فى ضبط النفس وإدانة أردوغان دوليا، لإرساله مرتزقة متعددى الجنسيات إلى ليبيا، هؤلاء المرتزقة عول عليهم أردوغان كثيرا فى تهديداته للجانب المصرى بالزحف نحو الخط الأحمر "سرت - الجفرة"، الذى وضعه الرئيس السيسى أمام الغزو التركى فى ليبيا.
نسى أردوغان تماما أن الـ 3800 عنصر مقاتل من المرتزقة، الذين يعول عليهم فى تقدمه على الأرض الليبية هم مشروع فئران، هرب عدد كبير منهم، وعادوا إلى بلدانهم ولم يصمدوا طويلا فى ليبيا، وأرى من الأفضل لرجب طيب أردوغان، أن يستبدلهم بجيش من "الحمير الحصاوى" المقاتلة، حفاظا على بقائه على الأرض وتقديم خدمات لوجيستية لعساكره داخل الغرفة الاستخباراتية التى أنشأتها تركيا فى ليبيا بالفترة الأخيرة.