البث المباشر الراديو 9090
د. أحمد سلطان
أسال أردوغان بقراره المتعلق بإعادة فتح متحف آيا صوفيا كمسجد، الكثير من الحبر وفتح أبواب جدل كثيرة امتدت لأيام تجاوزت الشارع العربى والعالمى، وتساءل الكثيرون من هى آيا صوفيا وما قصتها؟ وما بين كنيسة ومسجد ومتحف تكمن الحكاية.

آيا صوفيا أو القديسة صوفيا، هى قديسة قبطية من مصر ذاع صيتها فى العالم كله وأمر الإمبراطور البيزنطى جستنيان الأول ببناء كنيسة عام 532 تحمل اسم آيا صوفيا أنقاض أخرى تعرضت للبناء والهدم أكثر من مرة واستغرق بناء الكنيسة خمس سنوات، آيا صوفيا أو الحكمة الإلهية والتى أراد جستنيان الأول من خلالها أن يثبت تفوقه على أسلافه الرومان بتشييد صرح معمارى غير مسبوق ولدرجة أنه قال عند دخوله آيا صوفيا يا سليمان لقد تفوقت عليك فى إشارة إلى النبى سليمان الذى كان يسخر الجن لإقامة الأبنية العظيمة، وظلت آيا صوفيا أضخم كاتدرائية مسيحية فى العالم حتى بناء كاتدرائية إشبيلية عام 1520.

ووصفت آيا صوفيا بجوهرة العمارة البيزنطية وعدت واحدة من أبرز المعالم التاريخية حول العالم على الإطلاق واستمرت مركزا للكنيسة الأرثوذكسية الشرقية لأكثر من 900 عام تخللتها فترة ما بين 1204 إلى 1261 حولها الصليبيون أثناء حملتهم الرابعة إلى كاتدرائية للروم الكاثوليك قبل أن تعود مجددا للإمبراطورية البيزنطية، حتى جاء فتح القسطنطينية وسقوطها فى أيدى العثمانيين عام 1453 بقيادة السلطان محمد الثانى المعروف محمد الفاتح والذى أدى صلاة الجمعة بها بعد دخوله المدينة وكان ذلك فى الفاتح من يونيو من العام ذاته مصدرا أوامره بتغطية الرسوم والنقوش المسيحية.

ومنذ ذلك التاريخ حتى عام 1616 وآيا صوفيا والذى أطلق عليه الجامع الكبير هى المسجد الرئيسى فى القسطنطينية أو إسطنبول حتى بناء مسجد السلطان أحمد أو المسجد الأزرق والذى استلهم ومساجد أخرى كثيرة سمات معمارية من آيا صوفيا، وظلت حتى عام 1931 مركزًا إسلاميًا يحظى برمزية تاريخية كبيرة مرتبطا بفتح القسطنطينية إلى أن منع مصطفى أتاتورك إقامة الشعائر الدينية فى مسجد آيا صوفيا فى عام 1931 قبل صدور مرسوم حكومى عام 1934 بتحويله إلى متحف فنى بهدف إهدائه إلى الإنسانية.

وأصبحت آيا صوفيا واحدة من أهم الوجهات السياحية فى إسطنبول، حتى ظهرت أصوات وتعالت مطالبات من قبل إسلاميين فى تركيا بتحويل آيا صوفيا إلى مسجد مرة أخرى.

وفى خطوة أثارت انتقادات دينية وسياسية ودولية واسعة ألغت المحكمة الإدارية العليا يوم الجمعة 12 يوليو الماضى المرسوم الحكومى الصادر عام 1934 القاضى بتحويل آيا صوفيا من مسجد إلى متحف إسنادا إلى ما وصف بوثائق تاريخية تؤكد شراء السلطان محمد الفاتح مبنى كاتدرائية آيا صوفيا من القساوسة قبل تحويله إلى مسجد، وفى خطوة عدها كثيرون مقصودة توافد الآلاف من الأتراك وفى مقدمتهم أردوغان إلى آيا صوفيا فى يوم الجمعة الموافق 24 يوليو الماضى للمشاركة فى أول صلاة جمعة منذ عام 1934.

وفى الاختيار دلالة قوية إذ يبدو أن الحكومة التركية تعمدت فتح آيا صوفيا أمام المصلين فى ذكرى رقم 97 لتوقيع معاهدة لوزان والتى تعد بمثابة شهادة الوفاة الرسمية للدولة العثمانية وميلاد الجمهورية التركية المعاصرة بقيادة أتاتورك والذى يرى الحلفاء والمؤيدون أن هذه الخطوة تأكيد أن إسطنبول ستبقى تركية ومسلمة للأبد، فى حين وصف البعض بالخطوة الخفية والإعلان عن طموحات أردوغان وآماله فى عودة الإمبراطورية العثمانية.

ويوم الجمعة الماضية لفت على أرباش وزير الشؤون الدينية التركية عندما اعتلى منبر آيا صوفيا وهو يتقلد سيف وظل ممسكا به طوال إلقائه الخطبة وسط دلالات كثيرة عن استحضار السيف مما له دلالات سياسية ورمزية أهمها إعادة تذكير الناس بمشهد فتح مدينة القسطنطينية ويقول آخرون أن رفع السيف تقليد قديم يعود إلى محمد الفاتح إذ دأب على تعليق رايتين على منبر المسجد ووضع سيف على جانب المدخل الأيمن للمنبر عند غزو أماكن جديدة، وتضمنت مراسم الصلاة العديد من المشاهد الرمزية الأخرى مثل رفع رايات خضراء تتوسطها اهلة بيضاء والدالة على اتساع رقعة الإمبراطورية العثمانية التى امتدت إلى قارات آسيا و أفريقيا وأوروبا، فسيف أرباش ومظاهر الصلاة سرقت الأضواء فى أول خطبة منذ 86 عام.

وأخيرا وليس آخرا، ما بين كنيسة ومسجد ومتحف تظل لبناء آيا صوفيا فى مدينة اسطنبول رمزية تاريخية ودينية وسياسية كبرى على مدار عمرها الممتد من ١٥٠٠ عام، فضلا عن كونها تحفة معمارية فريدة والأسلام والمسيحية على قدم المساواة والتاريخ المضطرب لآيا صوفيا يتضح فى كل ركن من أركانها، والسؤال الذى يطرح نفسه الآن إلى أين يأخذنا التاريخ لكتابة فصول جديدة أم أحياء لعصور مضت ؟

تابعوا مبتدا على جوجل نيوز