د. عزة هاشم
وكما هى العادة فى أوقات الاضطراب وانعدام اليقين نشطت الشائعات بصورة ملحوظة، وانتشرت انتشارا وبائيا فى الولايات المتحدة التى انصرف شعبها عن متابعة البيانات الرسمية بحثا عن مصادر بديلة، لم يكن الأمريكيون يعلمون فى ذلك الوقت ماهى أسباب الهجوم أو عواقبه، بدا المستقبل غامضا أمامهم وزاد من غموضه الفوضى فى المعلومات والأخبار المتداولة، هنا برز ما أطلق عليه فيما بعد "شائعات بيرل هاربور" نسبة للهجوم، التى تسببت فى حالة من الفوضى والإحباط والاضطراب الداخلي، وهو ما دفع الرئيس روزفلت أن يلقى فى 22 فبراير 1942 خطابا خصصه بالكامل للحديث عن الشائعات وأضرارها، ومحاولة تصحيحها، ولم تفلح كلمة الرئيس وفقا لاستطلاعات الرأى فى الحد من الشائعات.
مع دخول الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية بعد قصف بيرل هاربور، تزايدت حالة الفوضى ودخل الرأى العام الأمريكى فى فيضانات من التكهنات والشائعات والأخبار المغلوطة، لم يكن الشعب الأمريكى فى هذا الوقت يعلم ما يعنيه دخولهم الحرب، وتكلفته، ومتى ستنتهي، وحدود الدمار الذى سيلحق بهم جراء الحرب، كانوا قلقين للغاية ومهيئين نفسيا لتقبل المغالطات وتصديقها، إلى هذا الحد كان الأمر مزعجا ولكنه قابل للسيطرة إلا إن تحول الشعب إلى ناقل لدعاية العدو، وتراجع الدعم الشعبى وتضاءلت احتمالات امتثال الأمريكيون إلى القيود التى فرضهم عليها زمن الحرب.
من هنا جاءت البداية التاريخية الحقيقية لدراسة الشائعات، والتى انطلقت على يد اثنين من كبار علماء النفس، وهما غوردن آلبورت وروبرت ناب اللذان أسسا أول "عيادة شائعة" وكان مقرها جامعة هارفارد، كان نشاطها يتمثل فى عمود إخبارى ينشر كل يوم أحد فى صحيفة بوسطن ديلى هيرالد، يرد فيه البورت وفريقه على الشائعات المتداولة، كرس العالمان فريقا من المتطوعين للخروج والتجول فى المقاهى والشوارع والتجمعات لجمع الشائعات، يتبعها مجموعة من المنشورات التى تتضمن الرد على الشائعات بحقائق جازمة.
ولكن ما لبث أن اكتشف ألبورت وفريقه إن الرد على الشائعات لم يكن كافيا للقضاء عليها، وقاما بالعديد من الدراسات والتحليلات لمحاولة الوصول إلى أسباب رفض الحقيقة، لماذا لا يصدق الناس الحقائق رغم وضوحها واتساقها؟ وقد نجحوا فى الوصول إلى العديد من الإجابات المنطقية، صاغوا استنادا لها "معادلتهم الشهيرة"، وهى إن قوة الشائعة تساوى حاصل ضرب الغموض فى الأهمية ((Rumor= Importance × Ambiguity، وبالتالى تنمو وتنتشر الشائعة إذا كانت تعبر عن قضية أو حدث هام لا توجد معلومات كافية حوله أو يكتنفه الغموض، يرى البورت إن النجاح فى مواجهة الشائعة قائم على تدمير أساسها، ممثلا فى عنصرى المعادلة.
والحقيقة هى إن قضية التصدى للشائعات أكثر تعقيدا من مجرد الرد، فأنت قد تعلن الحقيقة لأشخاص لا يودون تصديقها فى الأصل، أو أشخاص تتنافى حقيقتك مع توقعاتهم وأفكارهم وتوجهاتهم، وآخرون يعلمون الحقيقة ويستخدمون الشائعة لتحقيق أهدافهم المتنوعة، حتى وإن كان الهدف منها فقط كسب رضا عدد أكبر فى قائمة أصدقائهم على وسائل التواصل الاجتماعي، إننا نسلك دوما مفترضين العقلانية المطلقة فى ردود الفعل ويغيب عنا إن "الإنسان كائن عاقل ولكنه ليس دائما عقلانى".