د. عزة هاشم
والحقيقة أن هناك العديد من الدراسات النفسية التى توقفت كثيرا أمام هذا الجانب، وأشارت إلى أن هناك جانبا "شريرا" من الإبداع يبدو فى استخدام وسائل مبتكرة لتحقيق أهداف سلبية وضارة قد تتضمن إلحاق الأذى المباشر بالآخر أو الذات وهو ما أطلق عليه العلماء اسم "الإبداع الخبيث".
نعم.. هناك إبداع خبيث، تصاعد الاهتمام به فى الغرب مؤخرا مع تصاعد نشاط ونفوذ وقدرات التنظيمات الإرهابية، إلا أنه لازال حقلا ناشئا للدراسة لم يتم التركيز عليه بالعمق الكافى، وتبدو أهمية دراسة ديناميات "الإبداع الخبيث" داخل التنظيمات الإرهابية فى كونه يوفر العديد من المؤشرات والمتغيرات القابلة للقياس لتقييم خطوات العملية الإبداعية ودوافعها ومحفزاتها فى تنظيم إرهابي معين، وذلك من خلال توفير إطار يستكشف هذه القضايا الرئيسية وينتج أجندة أبحاث أكثر وضوحًا فى هذا الصدد، على سبيل المثال: فى الوقت الذى تقدر فيه العديد من الدراسات أن 90% من المنظمات الإرهابية تموت أو تختفى خلال السنة الأولى من وجودها، فربما يكون التفسير الأساسى لبقاء المنظمات الإرهابية هو قدرتها على التكيف والابتكار والإبداع ضد استراتيجيات االمواجهة والتصدى لها.
من هنا تأتى أهمية دراسة الإبداع الخبيث داخل التنظيمات الإرهابية والتى تمكنا من الإجابة على العديد من التساؤلات، منها: ما هى العوامل التى تحفز الإبداع والابتكار داخل التنظيمات الإرهابية؟.. وهل هناك سمات تنظيمية معينة تزيد من ميل تنظيم إرهابى إلى أن يكون خلاقا ومبتكرا؟.. وهل يمكن التنبؤ بقدرة تنظيم إرهابى على الإبداع؟.. وكيف تتعلم التنظيمات وتنسخ وتقلد التكتيكات الإرهابية؟.. أيضا كيف تُنشئ التنظيمات وتبتكر تكتيكات إرهابية جديدة؟.. جميعها أسئلة هامة تفضى فى نهاية المطاف إلى صياغة آليات وتدابير فاعلة لمكافحة الإرهاب، تقوم على فهم أعمق لمراحل صياغة التكتيكات العملياتية وديناميات التفاعل داخل التنظيمات الإرهابية وخارجها.
ويبدو أن التساؤل الخاص بكيفية ابتكار التنظيمات الإرهابية لتكتيكات جديدة يحمل أهمية خاصة، إن لم يكن هو أكثر هذه الأسئلة أهمية لدى الممارسين فى مجال مكافحة الإرهاب، فالطريقة التى تبتكر بها التنظيمات الإرهابية تكتيكات جديدة تمثل معضلة شديدة الصعوبة مقارنة بالاقتصار على تقليد تكتيكات منظمة إرهابية أخرى، ولعل المشكلة الرئيسية التى تكمن فى التركيز على التعلم من المنظمات الإرهابية الأخرى هو أن الكثير مما تتعلمه التنظيمات الإرهابية من مثيلاتها لا يمكن ملاحظته إلا بعد الهجوم، وهذا يعنى أن "هناك مجالاً ضيقاً لفهم كيف ومتى يتم تطوير تكتيكات الهجوم الإرهابى".
لذلك من الهام أن ينصب تركيزنا على العمليات والسلوكيات والقدرات التنظيمية التى تعزز الإبداع والابتكار لدى العناصر الإرهابية ومن المحتمل أن يوفر هذا التركيز رؤى ذات جدوى فى سياق استراتيجيات مكافحة الإرهاب التى تركز على تعطيل قدرات التنظيمات الإرهابية على الابتكار.
على الرغم من أن هناك العديد من الدراسات والمحاولات الهامة فى هذا الاتجاه، إلا أن المفهوم حتى الآن لم يخضع للدراسة الكافية، ولم توضع الحدود المنهجية الفاصلة لدراسته وقياسه، فهو لا يزال بمثابة حقل ناشئ فى مجال دراسات الإبداع بشكل خاص، ودراسات علم النفس بشكل عام، ومن المتوقع أن يتصاعد الاهتمام بدراسته خلال المرحلة القادمة.