د. عزة هاشم
يقول "هورجان وتايلور"، وهما اثنان من أبرز علماء النفس المتخصصين فى دراسة العناصر الإرهابية، "إن ما نعرفه عن الإرهابيين الفعليين يشير إلى أنه نادرًا ما يكون هناك قرار واعٍ لدى الفرد بأن يصير إرهابيًّا، فالشخصية الإرهابية نتاج لمواقف متسلسلة تعرضت لها بشكل تدريجى خلال تنشئتها الاجتماعية"، وهو ما يعنى ببساطة إنك "لن تذهب لتنام وتستيقظ لتجد نفسك قد تحولت لعنصر إرهابى".
ويقول الباحثان إن "الإرهابيين يصعدون هرمًا تدرجيًّا من الاغتراب الاجتماعى إلى الملل، ثم الانشقاق والاحتجاج فى بعض الأحيان قبل أن يتحولوا فى النهاية إلى الإرهاب"، ولعل هذا الأمر واحد من نقاط قليلة فى مجال دراسة العناصر الإرهابية اتفق عليها الباحثون والمتخصصون فى دراسة الإرهاب.
يطرح ما سبق تساؤلا هاما وجدليا، مؤداه: كيف تتطور الأيديولوجيات المتطرفة وتُتَرْجم فى النهاية إلى مبررات أو ضرورات لاستخدام العنف الإرهابى؟
طور أحد علماء النفس ويدعى فريدريك هاكر فى عام 1983 تصورا لتطور الشخصية الإرهابية فصله فى 4 مراحل رئيسية، ووصفها وقدمها فى صورة مونولج داخلى للفرد الإرهابى، حيث تنطوى المرحلة الأولى ويطلق عليها هاكر "أنا مظلوم" على الوعى بالظلم لدى الفرد، والشعور بأنه ضحية، قد يأتى هذا الشعور نتيجة لظلم حقيقى أو متصور، إلا إنه يتمكن من الفرد ويمثل محركا مباشرا لتفكيره وسلوكياته القادمة، وفى المرحلة الثانية "كان بإمكانى رد الظلم" يعانى الفرد من شعور مدمن بالعجز حيال ما تعرض له من ظلم حقيقى أو متصور، ويخشى من الوقوع فريسة لمشاعر الندم التى قد تدفعه للاعتراف بضعفه وعجزه عن رد الظلم، ولذلك ينتقل إلى المرحلة الثالية، وهى مرحلة التنصل من الذنب، وإلقائه على المجتمع.
يبدأ الفرد فى المرحلة الثالثة "هم السبب" الدخول فى عملية معالجة معرفية معقدة تجعله يحشد الأدلة لإلقاء عبء الظلم الواقع عليه على عاتق المجتمع، أو السلطة، أو أى قوة كبرى تجعله يدخل فى صراع جديد يلعب فيه دور البطولة فى مواجهة قوة أكبر، محاولا تغذية إحساس داخلى لديه بالضعف، وفى المرحلة الرابعة "لن يساعدنى أحد سواى" يحاول الشخص التماس القوة، من خلال محاولة الالتصاق أو الانتماء لكيان أكبر وممارسة دور يسمح له بالتماس الشعور بالقوة، وتتضخم فيه معانى قضيته لتتحول من قضية فردية دافعها شعور داخلى متضخم بالذنب إلى قضية إنسانية كبرى، وبالتالى يتحول شعوره بالعجز والضعف إلى شعور بالبطولة فى معركة ضخمة يكن فيها واحدا من قلة مميزين يبحثون خلف التغيير، وهنا تبرز بوضوح عملية الإعداد النفسى والعقلي للعنصر الإرهابى، فالأيديولوجيات المتطرفة تبدأ بتأطير بعض الأحداث أو الحالات غير المرضية ووصفها وإدراكها على إنها غير عادلة، ثم إلقاء اللوم فى الظلم الواقع على الفرد على طرف خارجى، يُنظر إليه على أنه تهديد، وغالبًا ما تتم شيطنته، ومن هنا تبدأ رحلة تبرير العدوان.
اسنتادا إلى ما سبق تبدأ رحلة الانغماس فى السلوك الإرهابى عندما يدخل الفرد دائرة اجتماعية مهيأة يخضع فيها لعملية غسيل مخ تهدف إلى ما يطلق عليه علماء النفس Dehumanization أو "عملية نزع صفة الإنسانية من العدو"، وهى مرحلة انتقالية مهمة فى تحويل الفرد العادى إلى إنسان متطرف فى عنفه، وهى أداة قوية فى جعل المتطرفين فى جماعة ما يقتنعون بمدى قسوة ووحشية عدوهم وتجرده من الإنسانية، وبالتالى مشروعية ما يمارس من عنف ضده، بل قد يتحول هذا العنف إلى مسعى وهدف مرغوب فيه، وغالبا ما يتم اللجوء إلى هذا المفهوم فى تفسير العديد من الحوادث والهجمات وعمليات القتل الوحشية التى يصعب على العقول السوية استيعابها، إن وصم العدو واسباغه بصفات الشر، والتجرد من الإنسانية، وتكرار الرسائل التى تصف وحشيته المزعومه، ينتج حالة من التهيؤ الذهنى لدى المتطرف لممارسة العنف والوحشية، دونما شعور بالذنب أو الأذى، بل قد يثاب الفرد عليه، ويتحول إلى مصدر من مصادر الفخر والتحقق والارتقاء داخل الجماعة التى ينتمى لها.