سمية عسلة
أسباب اقتحام أردوغان لأذربيجان
شهد العالم، فى الفترة الأخيرة، هزيمة أردوغان فى سوريا على يد الرئيس بوتين الذى اختار أن يقسم الكعكة السورية مع أمريكا بعملية استبعاد تام لتركيا، وطرد عناصرها المتواجدة على الأرض، وكانت هذه الضربة الأولى التى تلقاها الشعب التركى المخدوع بعنتريات أردوغان وأوهامه فى استعادة النفوذ العثمانلى القديم، ولم تأت المصائب فرادى على الأتراك، بل وجدوا أنفسهم مهزومين وسط خسائر اقتصادية وسياسية كبدتها لهم مصر فى ليبيا، حين حجم الرئيس السيسى أردوغان فى ليبيا، ووضع له الخط الأحمر الذى وقف أمامه عاجزا عن دخول سرت الجفرة والاستيلاء على الهلال النفطى كرئة بديلة تعيد للاقتصاد التركى الحياة مرة أخرى بعد الانهيار الاقتصادى، وحالة الغضب التى يعيشها الشعب التركى والمعارضة جراء الهزائم المتلاحقة لأردوغان فى ليبيا وسوريا والعراق، حتى جعل من إسطنبول محفظة لتمويل سياسته التوسعية الرعناء على الأرض دون أى عوائد اقتصادية منهوبة قادمة من الدول التى تم اختراقها سواء.
ومع اقتراب موعد الانتخابات فهم أردوغان أنه يشرف على النهاية، وسيحكم عليه الشعب والتاريخ بالإعدام، فأخذ يرقص رقصة المذبوح مهرولاً تجاه أذربيجان لعدة أسباب أهمها الاستيلاء على الثروات النفطية والغاز الطبيعى والمعادن الأذربيجانية لإحياء الاقتصاد التركى، مدعيا بذلك أنه يحمى المسلمين السنة فى أذربيجان، ولكنه فى حقيقة الأمر سعى خلف زعامة الإسلام السنة بالعالم، والذى قد وعده به أوباما خلال فترة حكمه كما وعد إيران أن تتزعم الإسلام الشيعى بالمنطقة، لذلك لا نشعر بالذهول عندما قال جو بايدن للرئيس ترامب أمس كلمة "إن شاء الله" وهذا يذكرنا بأول كلمة لأوباما عندما تولى رئاسة أمريكا، حينما بدأ كلمته للعالم العربى من داخل جامعة القاهرة بقوله "السلام عليكم"، ويبدو من هذه العبارة التى قالها بايدن أنه يداعب جماعات الإسلام السياسى ومحاولة استمالة المسلمين داخل أمريكا.
والسبب الآخر لاقتحام أردوغان أراضى أذربيجان هو محاولة السيطرة على أنبوب الغاز الذى يخرج من أذربيجان وصولا إلى أوروبا، وتطمح تركيا فى السيطرة عليه للتحكم فى إمدادات الغاز الطبيعى الذى يصل أوروبا، بالتالى يصبح لدى أردوغان ورقة ضغط على الاتحاد الأوروبى ليقبلوا بانضمام تركيا لهم.
الخطر الأكبر من الاحتلال التركى لأذربيجان ليس إحياء الحرب والنزاع القديم بين أذربيجان وأرمينيا على الحدود بينهما، والذى راح ضحيته الالاف الاشخاص ولكن أردوغان أصبح يعانى من ورطة كبيرة فى ليبيا متمثلة فى المرتزقة، الذين جلبهم من سوريا وأصبح عاجزا عن تمويلهم، فى ظل جفاف ضرع البقرة الحلوب قطر وفشل أردوغان فى تعدى الخط الأحمر، الذى رسمه الرئيس السيسى فى ليبيا، وحال دون سرقته للنفط والغاز الليبى، مما أدى إلى ضعف تمويل تركيا للمرتزقة ونشوب قتال وتصفيات جسدية بين الميليشات وأردوغان يعلم جيدا أن القضاء على أذرعه من المرتزقة فى ليبيا سيجعل منه أضحوكة أمام العالم، وتهتز صورته فى الداخل التركى وتصبح مليشياته فى سوريا والعراق مرمى مباح للجميع خصوصا وبعد أن اهتزت هيبته العسكرية على يد مصر وأمام العالم فى ليبيا، لذلك وجد أردوغان الحل فى ارسال مرتزقته إلى أذربيجان كدولة بديلة عن الدولة التى كان يحلم ببنائها للدواعش فى ليبيا وعلى الحدود مع مصر.
هل تقف روسيا عاجزة مهددة
الرئيس بوتين يعلم جيدا أن أردوغان نقل التهديد والنزاع إلى الحدود الروسية الأرمينية، وذلك يمثل خطر كبيرا جدا على حركة الطائرات الروسية التى تتخذ من الأجواء الأرمينية منفذا لها للعبور نحو سوريا، بعد إغلاق جورجيا الممرات الجوية أمام روسيا، مما يؤكد أنه فى حال خسرت أرمينيا حربها مع أذربيجان بذلك ستغلق الممرات الجوية أمام بوتين، وتصبح عائقا دون وصوله إلى سوريا، لذلك لم يعد أمام روسيا خيار سوى طرد تركيا من أذربيجان، والانتصار السياسى فى هذه الحرب لأن التدخل العسكرى سيشكل عبئا ويشتت من تركيز روسيا على الدول التى سيطرت عليها وعلى رأسهم سوريا.
أرمينيا تستنجد بالرئيس السيسى
اتصل رئيس أرمينيا هاتفيا بالرئيس السيسى، طالبا التدخل المصرى لحل الأزمة الأذربيجانية الأرمينية و تحجيم تركيا الداعم الأكبر لأذربيجان، فأردوغان لم ينسى العداء التاريخى بين أجداده العثمانيين والأرمن، ولن ينسى التاريخ ايضا مقتل مليون ونصف من الأرمن على يد العثمانيين، وتحمل مكالمة رئيس أرمينيا للرئيس السيسى عدة رسائل أهمها أن أرمينيا والاتحاد الأوروبى يدركان جيدا أن مصر هى الدولة الوحيدة التى استطاعت كسر الهيبة العسكرية التركية واخضاع أردوغان وإذلاله فى ليبيا، وأن الرئيس السيسى هو القائد الوحيد بالمنطقة القادر على ردع أردوغان، وأن مصر لديها مكانة دولية وثقل سياسى وعسكرى يمكنها من فرض رؤيتها على كل الأطراف.
ولعل بوتين والاتحاد الأوروبى الآن فى أمس الحاجة للدعم المصرى الذى يمكنهم من الحفاظ على أمنهم القومى بتأمين المجرى الجوى الأرمينى، الذى تستخدمه روسيا وكذلك تأمين أنبوب الغاز الذى يصل إلى أوروبا، وأن تحول مصر دون سرقته من قبل أردوغان واستغلاله فى الضغط على أوروبا.
مجمل القول، إن مصر تلعب دورا محوريا على مستوى دولى باحترافية سياسية عالية جعلتها تهدم المشروع العثمانلى المنطقة، وتحافظ على امنها القومى وتحمى من استجار بها من الشعب الليبى، فلم يعد أمام أردوغان إلا أن يجر ذيول الخيبة ويخرج من ليبيا وسوريا باتجاه ارض جديدة وهى أذربيجان، لعله ينقذ ما يمكن إنقاذه ويحافظ على بقائه على كرسى الحكم.