لم تكن شمس ثاني أيام العيد في الإسكندرية كعادتها؛ فبدلاً من الزحام الصاخب وضجيج العائلات، استيقظت عروس البحر المتوسط على سيمفونية هادئة من قطرات المطر، وسماء بغيوم رمادية كثيفة، منحت المدينة سحرا خاصا.
على طول الكورنيش، بدا المشهد أشبه بلوحة زيتية كلاسيكية السحب المنخفضة تلامس أفق البحر، وكأنها تعانق الأمواج الثائرة التي بدأت تقذف برذاذها المالح نحو الرصيف الكورنيش، الذي كان يضج بالمارة بالأمس، بدا اليوم "شبه خالي"، إلا من بضعة أشخاص احتموا بمظلاتهم، أو صياد صبور قرر أن المطر هو رفيقه الأوفى في العيد.
في هذا الصباح الباكر، غابت "عربات الغزل البنات" وبالونات الأطفال مؤقتا، وحلت محلها رائحة "اليود" الممتزجة برائحة التراب المبلل التي يعشقها السكندريون. المقاعد الخشبية التي تتسابق عليها العائلات عادةً، بقيت وحيدة تبللها الأمطار، وكأن المدينة قررت أن تأخذ "استراحة محارب" من صخب العيد لتغتسل بماء السماء.
رغم أننا في أيام العيد، إلا أن الإسكندرية فرضت طقوسها الخاصة؛ فالمقاهي المطلة على البحر استقبلت روادها القلائل برائحة القهوة الساخنة، خلف واجهات زجاجية غطاها الضباب، هو مشهد يعكس طبيعة هذه المدينة التي لا يمكن التنبؤ بمزاجها، فهي تارةً تبتسم بالشمس، وتارةً تتدلل بأمطار مفاجئة تجعل من "فسحة العيد" تجربة استثنائية لا تُنسى.